تفسير السعدي

سورة الأنعام الآية ١٢٣

وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا فِى كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا۟ فِيهَا ۖ وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴿١٢٣﴾
" وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا " أي: الرؤساء الذين قد كبر جرمهم, واشتد طغيانهم " لِيَمْكُرُوا فِيهَا " بالخديعة والدعوة إلى سبيل الشيطان, ومحاربة الرسل وأتباعهم, بالقول والفعل.
وإنما مكرهم وكيدهم, يعود على أنفسهم, لأنهم يمكرون, ويمكر الله, والله خير الماكرين.
وكذلك يجعل الله كبار أئمة الهدى وأفاضلهم, يناضلون هؤلاء المجرمين, ويردون عليهم أقوالهم ويجاهدونهم في سبيل الله, ويسلكون بذلك, السبل الموصلة إلى ذلك, ويعينهم الله, ويسدد رأيهم, ويثبت أقدامهم, ويداول الأيام بينهم وبين أعدائهم, حتى يدول الأمر في عاقبته, بنصرهم وظهورهم, والعاقبة للمتقين.
ومثل هذا الذي حصل مِن زعماء الكفار في "مكة" من الصدِّ عن دين الله تعالى، جعلنا في كل قرية مجرمين يتزعمهم أكابرهم؛ ليمكروا فيها بالصد عن دين الله، وما يكيدون إلا أنفسهم، وما يُحِسُّون بذلك.
"وَكَذَلِكَ" كَمَا جَعَلْنَا فُسَّاق مَكَّة أَكَابِرهَا "جَعَلْنَا فِي كُلّ قَرْيَة أَكَابِر مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا" بِالصَّدِّ عَنْ الْإِيمَان "وَمَا يَمْكُرُونَ إلَّا بِأَنْفُسِهِمْ" لِأَنَّ وَبَاله عَلَيْهِمْ "وَمَا يَشْعُرُونَ" بِذَلِكَ
يَقُول تَعَالَى : وَكَمَا جَعَلْنَا فِي قَرْيَتك يَا مُحَمَّد أَكَابِر مِنْ الْمُجْرِمِينَ وَرُؤَسَاء وَدُعَاة إِلَى الْكُفْر وَالصَّدّ عَنْ سَبِيل اللَّه وَإِلَى مُخَالَفَتك وَعَدَاوَتك كَذَلِكَ كَانَتْ الرُّسُل مِنْ قَبْلك يُبْتَلَوْنَ بِذَلِكَ ثُمَّ تَكُون لَهُمْ الْعَاقِبَة كَمَا قَالَ تَعَالَى " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيّ عَدُوًّا مِنْ الْمُجْرِمِينَ " الْآيَة وَقَالَ تَعَالَى " وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِك قَرْيَة أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا " الْآيَة قِيلَ مَعْنَاهُ أَمَرْنَاهُمْ بِالطَّاعَةِ فَخَالَفُوا فَدَمَّرْنَاهُمْ وَقِيلَ أَمَرْنَاهُمْ أَمْرًا قَدَرِيًّا كَمَا قَالَ هَهُنَا " لِيَمْكُرُوا فِيهَا " وَقَوْله تَعَالَى " أَكَابِر مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا" قَالَ اِبْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس " أَكَابِر مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا " قَالَ سَلَّطْنَا شِرَارهمْ فَعَصَوْا فِيهَا فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ أَهْلَكْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ . وَقَالَ مُجَاهِد وَقَتَادَة " أَكَابِر مُجْرِمِيهَا " عُظَمَاؤُهَا قُلْت : وَهَكَذَا قَوْله تَعَالَى " وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَة مِنْ نَذِير إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَر أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ" وَقَالَ تَعَالَى " وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلك فِي قَرْيَة مِنْ نَذِير إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّة وَإِنَّا عَلَى آثَارهمْ مُقْتَدُونَ " وَالْمُرَاد بِالْمَكْرِ هَهُنَا دُعَاؤُهُمْ إِلَى الضَّلَالَة بِزُخْرُفٍ مِنْ الْمَقَال وَالْفِعَال كَقَوْلِهِ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ قَوْم نُوح " وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا " وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى " وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْد رَبّهمْ يَرْجِع بَعْضهمْ إِلَى بَعْض الْقَوْل يَقُول الَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ قَالَ الَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنْ الْهُدَى بَعْد إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ وَقَالَ الَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْر اللَّيْل وَالنَّهَار إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُر بِاَللَّهِ وَنَجْعَل لَهُ أَنْدَادًا " الْآيَة وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم : حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا اِبْن أَبِي عُمَر حَدَّثَنَا سُفْيَان قَالَ : كُلّ مَكْر فِي الْقُرْآن فَهُوَ عَمَل وَقَوْله تَعَالَى " وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ " أَيْ وَمَا يَعُود وَبَال مَكْرهمْ ذَلِكَ وَإِضْلَالهمْ مَنْ أَضَلُّوهُ إِلَّا عَلَى أَنْفُسهمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى " وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالهمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالهمْ " وَقَالَ " وَمِنْ أَوْزَار الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْم أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ " .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْلِهِ تَعَالَى : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَكَمَا زَيَّنَّا لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ , كَذَلِكَ جَعَلْنَا بِكُلِّ قَرْيَة عُظَمَاءَهَا مُجْرِمِيهَا , يَعْنِي : أَهْل الشِّرْك بِاَللَّهِ وَالْمَعْصِيَة لَهُ ; { لِيَمْكُرُوا فِيهَا } بِغُرُورٍ مِنْ الْقَوْل أَوْ بِبَاطِلٍ مِنْ الْفِعْل بِدِينِ اللَّه وَأَنْبِيَائِهِ . { وَمَا يَمْكُرُونَ } : أَيْ مَا يَحِيق مَكْرهمْ ذَلِكَ , { إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ } , لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْرُهُ مِنْ وَرَاء عُقُوبَتهمْ عَلَى صَدِّهِمْ عَنْ سَبِيله . وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ , يَقُول : لَا يَدْرُونَ مَا قَدْ أَعَدَّ اللَّه لَهُمْ مِنْ أَلِيم عَذَابه , فَهُمْ فِي غَيّهمْ وَعُتُوّهُمْ عَلَى اللَّه يَتَمَادَوْنَ . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10781 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { أَكَابِر مُجْرِمِيهَا } قَالَ : عُظَمَاءَهَا . * حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 10782 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { أَكَابِر مُجْرِمِيهَا } قَالَ : عُظَمَاءَهَا . 10783 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عِكْرِمَة : نَزَلَتْ فِي الْمُسْتَهْزِئِينَ . قَالَ اِبْن جُرَيْج : عَنْ عَمْرو , عَنْ عَطَاء , عَنْ عِكْرِمَة : { أَكَابِر مُجْرِمِيهَا } . . . إِلَى قَوْله : { بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ } بِدِينِ اللَّه وَبِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَعِبَاده الْمُؤْمِنِينَ . وَالْأَكَابِر : جَمْع أَكْبَر , كَمَا الْأَفَاضِل : جَمْع أَفْضَل . وَلَوْ قِيلَ : هُوَ جَمْع كَبِير , فَجُمِعَ أَكَابِر , لِأَنَّهُ قَدْ يُقَال أَكْبَر , كَمَا قِيلَ : { قُلْ هَلْ أُنَبِّئكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا } 18 103 وَاحِدهمْ الْخَاسِر لَكَانَ صَوَابًا . وَحُكِيَ عَنْ الْعَرَب سَمَاعًا : الْأَكَابِرَة وَالْأَصَاغِرَة , وَالْأَكَابِر وَالْأَصَاغِر بِغَيْرِ الْهَاء عَلَى نِيَّة النَّعْت , كَمَا يُقَال : هُوَ أَفْضَل مِنْك . وَكَذَلِكَ تَفْعَل الْعَرَب بِمَا جَاءَ مِنْ النُّعُوت عَلَى " أَفْعَل " إِذَا أَخْرَجُوهَا إِلَى الْأَسْمَاء , مِثْل جَمْعِهِمْ الْأَحْمَر وَالْأَسْوَد : الْأَحَامِر وَالْأَحَامِرَة , وَالْأَسَاوِد وَالْأَسَاوِدَة ; وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : إِنَّ الْأَحَامِرَة الثَّلَاثَة أَهْلَكَتْ مَالِي وَكُنْت بِهِنَّ قِدْمًا مُولَعَا الْخَمْرُ وَاللَّحْمُ السَّمِينُ أَدِيمُهُ وَالزَّعْفَرَانُ فَلَنْ أَزَالَ مُبَقَّعَا وَأَمَّا الْمَكْر : فَإِنَّهُ الْخَدِيعَة وَالِاحْتِيَال لِلْمَمْكُورِ بِهِ بِالْقَدْرِ لِيُوَرِّطهُ الْمَاكِر بِهِ مَكْرُوهًا مِنْ الْأَمْر .
الْمَعْنَى : وَكَمَا زَيَّنَّا لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ كَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلّ قَرْيَة . " مُجْرِمِيهَا " مَفْعُول أَوَّل لِجَعَلَ " أَكَابِر " مَفْعُول ثَان عَلَى التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير . وَجَعَلَ بِمَعْنَى صَيَّرَ . وَالْأَكَابِر جَمْع الْأَكْبَر . قَالَ مُجَاهِد : يُرِيد الْعُظَمَاء . وَقِيلَ : الرُّؤَسَاء وَالْعُظَمَاء . وَخَصَّهُمْ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُمْ أَقْدَر عَلَى الْفَسَاد . وَالْمَكْر الْحِيلَة فِي مُخَالَفَة الِاسْتِقَامَة , وَأَصْله الْفَتْل ; فَالْمَاكِر يَفْتِل عَنْ الِاسْتِقَامَة أَيْ يَصْرِف عَنْهَا . قَالَ مُجَاهِد : كَانُوا يَجْلِسُونَ عَلَى كُلّ عَقَبَة أَرْبَعَة يَنْفِرُونَ النَّاس عَنْ اِتِّبَاع النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; كَمَا فَعَلَ مَنْ قَبْلهمْ مِنْ الْأُمَم السَّالِفَة بِأَنْبِيَائِهِمْ .


أَيْ وَبَال مَكْرهمْ رَاجِع إِلَيْهِمْ . وَهُوَ مِنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ الْجَزَاء عَلَى مَكْر الْمَاكِرِينَ بِالْعَذَابِ الْأَلِيم .


فِي الْحَال ; لِفَرْطِ جَهْلهمْ أَنَّ وَبَال مَكْرهمْ عَائِد إِلَيْهِمْ .
مشاركة الموضوع