تفسير السعدي

سورة المجادلة الآية ١٤

۞ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْا۟ قَوْمًا غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى ٱلْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿١٤﴾
كم تر إلى المنافقين الذين اتخذوا اليهود أصدقاء ووالوهم؟ والمنافقون في الحقيقة ليسوا من المسلمين ولا من اليهود , ويحلفون كذبا أنهم مسلمون , وأنك رسول الله, وهم يعلمون أنهم كاذبون فيما حلفوا عليه.
ألم تر إلى المنافقين الذين اتخذوا اليهود أصدقاء ووالوهم؟ والمنافقون في الحقيقة ليسوا من المسلمين ولا من اليهود، ويحلفون كذبًا أنهم مسلمون، وأنك رسول الله، وهم يعلمون أنهم كاذبون فيما حلفوا عليه.
"أَلَمْ تَرَ" تَنْظُر "إلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا" هُمْ الْمُنَافِقُونَ "قَوْمًا" هُمْ الْيَهُود "غَضِبَ اللَّه عَلَيْهِمْ مَا هُمْ" أَيْ الْمُنَافِقُونَ "مِنْكُمْ" مِنْ الْمُؤْمِنِينَ "وَلَا مِنْهُمْ" مِنْ الْيَهُود بَلْ هُمْ مُذَبْذَبُونَ "وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِب" أَيْ قَوْلهمْ إنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ "وَهُمْ يَعْلَمُونَ" أَنَّهُمْ كَاذِبُونَ فِيهِ
يَقُول اللَّه تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَى الْمُنَافِقِينَ فِي مُوَالَاتهمْ الْكُفَّار فِي الْبَاطِن وَهُمْ فِي نَفْس الْأَمْر لَا مَعَهُمْ وَلَا مَعَ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى " مُذَبْذَبِينَ بَيْن ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّه فَلَنْ تَجِد لَهُ سَبِيلًا " وَقَالَ هَهُنَا " أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّه عَلَيْهِمْ " يَعْنِي الْيَهُود الَّذِينَ كَانَ الْمُنَافِقُونَ يُمَالِئُونَهُمْ وَيُوَالُونَهُمْ فِي الْبَاطِن ثُمَّ قَالَ تَعَالَى " مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ" أَيْ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ لَيْسُوا فِي الْحَقِيقَة مِنْكُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ وَلَا مِنْ الَّذِينَ يُوَالُونَهُمْ وَهُمْ الْيَهُود ثُمَّ قَالَ تَعَالَى " وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِب وَهُمْ يَعْلَمُونَ " يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ يَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِب وَهُمْ عَالِمُونَ بِأَنَّهُمْ كَاذِبُونَ فِيمَا حَلَفُوا وَهِيَ الْيَمِين الْغَمُوس وَلَا سِيَّمَا فِي مِثْل حَالهمْ اللَّعِين عِيَاذًا بِاَللَّهِ مِنْهُ فَإِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا جَاءُوا الرَّسُول حَلَفُوا لَهُ بِاَللَّهِ أَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ وَهُمْ فِي ذَلِكَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ يَكْذِبُونَ فِيمَا حَلَفُوا بِهِ لِأَنَّهُمْ لَا يَعْتَقِدُونَ صِدْق مَا قَالُوهُ وَإِنْ كَانَ فِي نَفْس الْأَمْر مُطَابِقًا وَلِهَذَا شَهِدَ اللَّه بِكَذِبِهِمْ فِي أَيْمَانهمْ وَشَهَادَتهمْ لِذَلِكَ .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّه عَلَيْهِمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَلَمْ تَنْظُر بِعَيْنِ قَلْبك يَا مُحَمَّد , فَتَرَى إِلَى الْقَوْم الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّه عَلَيْهِمْ , وَهُمْ الْمُنَافِقُونَ تَوَلَّوْا الْيَهُود وَنَاصَحُوهُمْ , كَمَا : 26178 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّه عَلَيْهِمْ } إِلَى آخِر الْآيَة , قَالَ : هُمْ الْمُنَافِقُونَ تَوَلَّوْا الْيَهُود وَنَاصَحُوهُمْ . * - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّه عَلَيْهِمْ } قَالَ : هُمْ الْيَهُود تَوَلَّاهُمْ الْمُنَافِقُونَ . 26179 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّه عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ } قَالَ : هَؤُلَاءِ كَفَرَة أَهْل الْكِتَاب الْيَهُود وَاَلَّذِينَ تَوَلَّوْهُمْ الْمُنَافِقُونَ تَوَلَّوْا الْيَهُود , وَقَرَأَ قَوْل اللَّه : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْل الْكِتَاب } حَتَّى بَلَغَ { وَاَللَّه يَشْهَد إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } 59 11 لَئِنْ كَانَ ذَلِكَ لَا يَفْعَلُونَ وَقَالَ : هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا : لَا نَدَع حُلَفَاءَنَا وَمَوَالِينَا يَكُونُوا مَعًا لِنُصْرَتِنَا وَعِزّنَا , وَمَنْ يَدْفَع عَنَّا نَخْشَى أَنْ تُصِيبنَا دَائِرَة , فَقَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { فَعَسَى اللَّه أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْر مِنْ عِنْده } 5 52 حَتَّى بَلَغَ : { فِي صُدُورهمْ مِنْ اللَّه } 59 13 وَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ : { أَوْ مِنْ وَرَاء جُدُر } 59 14 قَالَ : لَا يَبْرُزُونَ .

قَوْله : { مَا هُمْ مِنْكُمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : مَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَوَلَّوْا هَؤُلَاءِ الْقَوْم الَّذِينَ غَضِبَ اللَّه عَلَيْهِمْ , مِنْكُمْ يَعْنِي : مِنْ أَهْل دِينكُمْ وَمِلَّتكُمْ , وَلَا مِنْهُمْ وَلَا هُمْ مِنْ الْيَهُود الَّذِينَ غَضِبَ اللَّه عَلَيْهِمْ , وَإِنَّمَا وَصَفَهُمْ بِذَلِكَ مِنْكُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِأَنَّهُمْ مُنَافِقُونَ إِذَا لَقُوا الْيَهُود , قَالُوا { إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا } . 2 14


وَقَوْله { وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِب وَهُمْ يَعْلَمُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِب , وَذَلِكَ قَوْلهمْ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَشْهَد إِنَّك لَرَسُول اللَّه وَهُمْ كَاذِبُونَ غَيْر مُصَدِّقِينَ بِهِ , وَلَا مُؤْمِنِينَ بِهِ , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَاَللَّه يَشْهَد إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ } 63 1 وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي رَجُل مِنْهُمْ عَاتَبَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَمْر بَلَغَهُ عَنْهُ , فَحَلَفَ كَذِبًا . ذِكْر الْخَبَر الَّذِي رُوِيَ بِذَلِكَ : 26180 - حَدَّثَنَا اِبْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثَنَا شُعْبَة , عَنْ سِمَاك , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَدْخُل عَلَيْكُمْ رَجُل يَنْظُر بِعَيْنِ شَيْطَان , أَوْ بِعَيْنَيْ شَيْطَان " , قَالَ : فَدَخَلَ رَجُل أَزْرَق , فَقَالَ لَهُ : " عَلَامَ تَسُبّنِي أَوْ تَشْتُمنِي ؟ " قَالَ : فَجَعَلَ يَحْلِف , قَالَ : فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة الَّتِي فِي الْمُجَادَلَة : { وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِب وَهُمْ يَعْلَمُونَ } وَالْآيَة الْأُخْرَى .
قَالَ قَتَادَة : هُمْ الْمُنَافِقُونَ تَوَلَّوْا الْيَهُود

يَقُول : لَيْسَ الْمُنَافِقُونَ مِنْ الْيَهُود وَلَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ بَلْ هُمْ مُذَبْذَبُونَ بَيْن ذَلِكَ , وَكَانُوا يَحْمِلُونَ أَخْبَار الْمُسْلِمِينَ إِلَيْهِمْ . قَالَ السُّدِّيّ وَمُقَاتِل : نَزَلَتْ فِي عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ وَعَبْد اللَّه بْن نَبْتَل الْمُنَافِقَيْنِ , كَانَ أَحَدهمَا يُجَالِس النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يَرْفَع حَدِيثه إِلَى الْيَهُود , فَبَيْنَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حُجْرَة مِنْ حُجُرَاته إِذْ قَالَ : ( يَدْخُل عَلَيْكُمْ الْآن رَجُل قَلْبه قَلْب جَبَّار وَيَنْظُر بِعَيْنَيْ شَيْطَان ) فَدَخَلَ عَبْد اللَّه بْن نَبْتَل - وَكَانَ أَزْرَق أَسْمَر قَصِيرًا خَفِيف اللِّحْيَة - فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام : ( عَلَامَ تَشْتُمنِي أَنْتَ وَأَصْحَابك ) فَحَلَفَ بِاَللَّهِ مَا فَعَلَ ذَلِكَ . فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَعَلْت ) فَانْطَلَقَ فَجَاءَ بِأَصْحَابِهِ فَحَلَفُوا بِاَللَّهِ مَا سَبُّوهُ , فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة . وَقَالَ مَعْنَاهُ اِبْن عَبَّاس . رَوَى عِكْرِمَة عَنْهُ , قَالَ : كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسًا فِي ظِلّ شَجَرَة قَدْ كَادَ الظِّلّ يَتَقَلَّص عَنْهُ إِذْ قَالَ : ( يَجِيئكُمْ السَّاعَة رَجُل أَزْرَق يَنْظُر إِلَيْكُمْ نَظَر الشَّيْطَان ) فَنَحْنُ عَلَى ذَلِكَ إِذْ أَقْبَلَ رَجُل أَزْرَق , فَدَعَا بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : ( عَلَامَ تَشْتُمنِي أَنْتَ وَأَصْحَابك ) قَالَ : دَعْنِي أَجِيئك بِهِمْ . فَمَرَّ فَجَاءَ بِهِمْ فَحَلَفُوا جَمِيعًا أَنَّهُ مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ شَيْء , فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " يَوْم يَبْعَثهُمْ اللَّه جَمِيعًا " [ الْمُجَادَلَة : 18 ] إِلَى قَوْله : " هُمْ الْخَاسِرُونَ " وَالْيَهُود مَذْكُورُونَ فِي الْقُرْآن ب " وَغَضِبَ اللَّه عَلَيْهِمْ " [ الْفَتْح : 6 ] .
مشاركة الموضوع