تفسير السعدي

سورة الواقعة الآية ٥٩

ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُۥٓ أَمْ نَحْنُ ٱلْخَٰلِقُونَ ﴿٥٩﴾
هل أنتم تخلقون ذلك بشرا أم نحن الخالقون؟
أفرأيتم النُّطَف التي تقذفونها في أرحام نسائكم، هل أنتم تخلقون ذلك بشرًا أم نحن الخالقون؟
"أَأَنْتُمْ" بِتَحْقِيقِ الْهَمْزَتَيْنِ وَإِبْدَال الثَّانِيَة أَلِفًا وَتَسْهِيلهَا وَإِدْخَال أَلِف بَيْن الْمُسَهَّلَة وَالْأُخْرَى وَتَرْكه فِي الْمَوَاضِع الْأُخْرَى "تَخْلُقُونَهُ" أَيْ الْمَنِيّ بَشَرًا
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُسْتَدِلًّا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ " أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ " أَيْ أَنْتُمْ تُقِرُّونَهُ فِي الْأَرْحَام وَتَخْلُقُونَهُ فِيهَا أَمْ اللَّه الْخَالِق لِذَلِكَ ؟ ثُمَّ قَالَ تَعَالَى " نَحْنُ قَدَرْنَا بَيْنكُمْ الْمَوْت" أَيْ صَرَفْنَاهُ بَيْنكُمْ وَقَالَ الضَّحَّاك سَاوَى فِيهِ بَيْن أَهْل السَّمَاء وَالْأَرْض " وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ " أَيْ وَمَا نَحْنُ بِعَاجِزِينَ .
يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِهَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ بِالْبَعْثِ : أَفَرَأَيْتُمْ أَيّهَا الْمُنْكِرُونَ قُدْرَة اللَّه عَلَى إِحْيَائِكُمْ مِنْ بَعْد مَمَاتكُمْ النُّطَف الَّتِي تُمْنُونَ فِي أَرْحَام نِسَائِكُمْ , أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَ تِلْكَ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ .
أَيْ تُصَوِّرُونَ مِنْهُ الْإِنْسَان

الْمُقَدِّرُونَ الْمُصَوِّرُونَ . وَهَذَا اِحْتِجَاج عَلَيْهِمْ وَبَيَان لِلْآيَةِ الْأُولَى , أَيْ إِذَا أَقْرَرْتُمْ بِأَنَّا خَالِقُوهُ لَا غَيْرنَا فَاعْتَرِفُوا بِالْبَعْثِ . وَقَرَأَ أَبُو السِّمَال وَمُحَمَّد بْن السَّمَيْقَع وَأَشْهَب الْعُقَيْلِيّ : " تَمْنُونَ " بِفَتْحِ التَّاء وَهُمَا لُغَتَانِ أَمْنَى وَمَنَى , وَأَمْذَى وَمَذَى يُمْنِي وَيَمْنِي وَيُمْذِي وَيَمْذِي . الْمَاوَرْدِيّ : وَيَحْتَمِل أَنْ يَخْتَلِف مَعْنَاهَا عِنْدِي , فَيَكُون أَمْنَى إِذَا أَنْزَلَ عَنْ جِمَاع , وَمَنَى إِذَا أَنْزَلَ عَنْ الِاحْتِلَام . وَفِي تَسْمِيَة الْمَنِيّ مَنِيًّا وَجْهَانِ : أَحَدهمَا لِإِمْنَائِهِ وَهُوَ إِرَاقَته . الثَّانِي لِتَقْدِيرِهِ , وَمِنْهُ الْمَنَا الَّذِي يُوزَن بِهِ لِأَنَّهُ مِقْدَار لِذَلِكَ , وَكَذَلِكَ الْمَنِيّ مِقْدَار صَحِيح لِتَصْوِيرِ الْخِلْقَة .
مشاركة الموضوع