تفسير السعدي

سورة الرحمن الآية ٢٦

كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍۢ ﴿٢٦﴾
كل من على وجه الأرض من الخلق هالك,
كل مَن على وجه الأرض مِن الخلق هالك، ويبقى وجه ربك ذو العظمة والكبرياء والفضل والجود. وفي الآية إثبات صفة الوجه لله تعالى بما يليق به سبحانه، دون تشبيه ولا تكييف.
"كُلّ مَنْ عَلَيْهَا" أَيْ الْأَرْض مِنْ الْحَيَوَان "فَانٍ" هَالِك وَعَبَّرَ بِمَنْ تَغْلِيبًا لِلْعُقَلَاءِ
يُخْبِر تَعَالَى أَنَّ جَمِيع أَهْل الْأَرْض سَيَذْهَبُونَ وَيَمُوتُونَ أَجْمَعُونَ وَكَذَلِكَ أَهْل السَّمَاوَات إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّه وَلَا يَبْقَى أَحَد سِوَى وَجْهه الْكَرِيم فَإِنَّ الرَّبّ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ لَا يَمُوت بَلْ هُوَ الْحَيّ الَّذِي لَا يَمُوت أَبَدًا قَالَ قَتَادَة أَنْبَأَ بِمَا خَلَقَ ثُمَّ أَنْبَأَ أَنَّ ذَلِكَ كُلّه فَانٍ وَفِي الدُّعَاء الْمَأْثُور : يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا بَدِيع السَّمَوَات وَالْأَرْض يَا ذَا الْجَلَال وَالْإِكْرَام لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ بِرَحْمَتِك نَسْتَغِيث أَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ وَلَا تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَة عَيْن وَلَا إِلَى أَحَد مِنْ خَلْقك وَقَالَ الشَّعْبِيّ إِذَا قَرَأْت" كُلّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ " فَلَا تَسْكُتْ حَتَّى تَقْرَأ " وَيَبْقَى وَجْه رَبّك ذُو الْجَلَال وَالْإِكْرَام " وَهَذِهِ الْآيَة كَقَوْلِهِ تَعَالَى " كُلّ شَيْء هَالِك إِلَّا وَجْهَهُ " وَقَدْ نَعَتَ تَعَالَى وَجْهَهُ الْكَرِيم فِي هَذِهِ الْآيَة الْكَرِيمَة بِأَنَّهُ ذُو الْجَلَال وَالْإِكْرَام أَيْ هُوَ أَهْل أَنْ يُجَلَّ فَلَا يُعْصَى وَأَنْ يُطَاع فَلَا يُخَالَف كَقَوْلِهِ تَعَالَى " وَاصْبِرْ نَفْسك مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهه " وَكَقَوْلِهِ إِخْبَارًا عَنْ الْمُتَصَدِّقِينَ " إِنَّمَا نُطْعِمكُمْ لِوَجْهِ اللَّه " قَالَ اِبْن عَبَّاس ذُو الْجَلَال وَالْإِكْرَام ذُو الْعَظَمَة وَالْكِبْرِيَاء وَلَمَّا أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ تَسَاوِي أَهْل الْأَرْض كُلّهمْ فِي الْوَفَاة وَأَنَّهُمْ سَيَصِيرُونَ إِلَى الدَّار الْآخِرَة فَيَحْكُم فِيهِمْ ذُو الْجَلَال وَالْإِكْرَام بِحُكْمِهِ الْعَدْل قَالَ " فَبِأَيِّ آلَاء رَبّكُمَا تُكَذِّبَانِ " .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { كُلّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : كُلّ مَنْ عَلَى ظَهْر الْأَرْض مِنْ جِنّ وَإِنْس فَإِنَّهُ هَالِك , وَيَبْقَى وَجْه رَبّك يَا مُحَمَّد ذُو الْجَلَال وَالْإِكْرَام ; وَذُو الْجَلَال وَالْإِكْرَام مِنْ نَعْت الْوَجْه فَلِذَلِكَ رُفِعَ ذُو , وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّهَا فِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه بِالْيَاءِ " ذِي الْجَلَال وَالْإِكْرَام " عَلَى أَنَّهُ مِنْ نَعْت الرَّبّ وَصِفَتِهِ .
الضَّمِير فِي " عَلَيْهَا " لِلْأَرْضِ , وَقَدْ جَرَى ذِكْرُهَا فِي أَوَّل السُّورَة فِي قَوْله تَعَالَى : " وَالْأَرْض وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ " [ الرَّحْمَن : 10 ] وَقَدْ يُقَال : هُوَ أَكْرَمُ مَنْ عَلَيْهَا يَعْنُونَ الْأَرْض وَإِنْ لَمْ يَجْرِ لَهَا ذِكْر . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة قَالَتْ الْمَلَائِكَة هَلَكَ أَهْل الْأَرْض فَنَزَلَتْ : " كُلّ شَيْء هَالِك إِلَّا وَجْهه " [ الْقَصَص : 88 ] فَأَيْقَنَتْ الْمَلَائِكَة بِالْهَلَاكِ , وَقَالَهُ مُقَاتِل . وَوَجْه النِّعْمَة فِي فَنَاء الْخَلْق التَّسْوِيَة بَيْنهمْ فِي الْمَوْت , وَمَعَ الْمَوْت تَسْتَوِي الْأَقْدَام . وَقِيلَ : وَجْه النِّعْمَة أَنَّ الْمَوْت سَبَب النَّقْل إِلَى دَار الْجَزَاء وَالثَّوَاب .
مشاركة الموضوع