تفسير السعدي

سورة القمر الآية ٧

خُشَّعًا أَبْصَٰرُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌۭ مُّنتَشِرٌۭ ﴿٧﴾
ذليلة أبصارهم يخرجون من القبور كأنهم في انتشارهم وسرعة سيرهم للحساب جراد منتشر في الآفاق,
ذليلة أبصارهم يخرجون من القبور كأنهم في انتشارهم وسرعة سيرهم للحساب جرادٌ منتشر في الآفاق، مسرعين إلى ما دُعُوا إليه، يقول الكافرون: هذا يوم عسر شديد الهول.
"خُشَّعًا" أَيْ ذَلِيلًا وَفِي قِرَاءَة خُشَّعًا بِضَمِّ الْخَاء وَفَتْح الشِّين مُشَدَّدَة "أَبْصَارهمْ" حَال مِنْ الْفَاعِل "يَخْرُجُونَ" أَيْ النَّاس "مِنَ الْأَجْدَاث" الْقُبُور "كَأَنَّهُمْ جَرَاد مُنْتَشِر" لَا يَدْرُونَ أَيْنَ يَذْهَبُونَ مِنْ الْخَوْف وَالْحِيرَة وَالْجُمْلَة حَال مِنْ فَاعِل يَخْرُجُونَ
" خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ " أَيْ ذَلِيلَةً أَبْصَارُهُمْ" يَخْرُجُونَ مِنْ الْأَجْدَاث " وَهِيَ الْقُبُور " كَأَنَّهُمْ جَرَاد مُنْتَشِر " أَيْ كَأَنَّهُمْ فِي اِنْتِشَارهمْ وَسُرْعَة سَيْرهمْ إِلَى مَوْقِف الْحِسَاب إِجَابَةً لِلدَّاعِي جَرَاد مُنْتَشِر فِي الْآفَاق .
{ خُشَّعًا أَبْصَارهمْ } يَقُول : ذَلِيلَةً أَبْصَارهمْ خَاشِعَة , لَا ضَرَر بِهَا { يَخْرُجُونَ مِنْ الْأَجْدَاث } وَهِيَ جَمْع جَدَث , وَهِيَ الْقُبُور , وَإِنَّمَا وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِالْخُشُوعِ الْأَبْصَارَ دُون سَائِر أَجْسَامهمْ , وَالْمُرَاد بِهِ جَمِيع أَجْسَامهمْ ; لِأَنَّ أَثَر ذِلَّة كُلّ ذَلِيل , وَعِزَّة كُلّ عَزِيز , تَتَبَيَّن فِي نَاظِرَيْهِ دُون سَائِر جَسَدِهِ , فَلِذَلِكَ خَصَّ الْأَبْصَار بِوَصْفِهَا بِالْخُشُوعِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى قَوْله : { خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ } قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 25325 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : " خُشَّعًا أَبْصَارهمْ " : أَيْ ذَلِيلَة أَبْصَارهمْ . وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : " خُشَّعًا أَبْصَارهمْ " فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة وَبَعْض الْمَكِّيِّينَ الْكُوفِيِّينَ { خُشَّعًا } بِضَمِّ الْخَاء وَتَشْدِيد الشِّين , بِمَعْنَى خَاشِع ; وَقَرَأَهُ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة وَبَعْض الْبَصْرِيِّينَ " خَاشِعًا أَنْصَارهمْ " بِالْأَلِفِ عَلَى التَّوْحِيد اعْتِبَارًا بِقِرَاءَةِ عَبْد اللَّه , وَذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه " خَاشِعَة أَبْصَارهمْ " , وَأَلْحَقُوهُ وَهُوَ يَلْفِظ الِاسْم فِي التَّوْحِيد , إِذْ كَانَ صِفَة بِحُكْمِ فَعَلَ وَيَفْعَل فِي التَّوْحِيد إِذَا تَقَدَّمَ الْأَسْمَاء , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : وَشَبَابٍ حَسَنٍ أَوْجُهُهُمْ مِنْ إِيَادِ بْنِ نِزَار بْن مَعَد فَوَحَّدَ حَسَنًا وَهُوَ صِفَة لِلْأَوْجُهِ , وَهِيَ جَمْع ; وَكَمَا قَالَ الْآخَر . يَرْمِي الْفِجَاج بِهَا الرُّكْبَان مُعْتَرِضًا أَعْنَاقَ بُزَّلِهَا مُرْخًى لَهَا الْجُدُلُ فَوَحَّدَ مُعْتَرِضًا , وَهِيَ مِنْ صِفَة الْأَعْنَاق , وَالْجَمْع وَالتَّأْنِيث فِيهِ جَائِزَانِ عَلَى مَا بَيَّنَّا .

وَقَوْله : { كَأَنَّهُمْ جَرَاد مُنْتَشِر } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : يَخْرُجُونَ مِنْ قُبُورهمْ كَأَنَّهُمْ فِي انْتِشَارهمْ وَسَعْيهمْ إِلَى مَوْقِف الْحِسَاب جَرَاد مُنْتَشِر .
الْخُشُوع فِي الْبَصَر الْخُضُوع وَالذِّلَّة , وَأَضَافَ الْخُشُوع إِلَى الْأَبْصَار لِأَنَّ أَثَر الْعِزّ وَالذُّلّ يَتَبَيَّن فِي نَاظِر الْإِنْسَان ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " أَبْصَارهَا خَاشِعَة " [ النَّازِعَات : 9 ] وَقَالَ تَعَالَى : " خَاشِعِينَ مِنْ الذُّلّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْف خَفِيّ " [ الشُّورَى : 45 ] . وَيُقَال : خَشَعَ وَاخْتَشَعَ إِذَا ذَلَّ . وَخَشَعَ بِبَصَرِهِ أَيْ غَضَّهُ . وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكِسَائِيّ وَأَبُو عَمْرو " خَاشِعًا " بِالْأَلِفِ وَيَجُوز فِي أَسْمَاء الْفَاعِلِينَ إِذَا تَقَدَّمَتْ عَلَى الْجَمَاعَة التَّوْحِيد , نَحْو : " خَاشِعًا أَبْصَارهمْ " وَالتَّأْنِيث نَحْو : " خَاشِعَة أَبْصَارهمْ " [ الْقَلَم : 43 ] وَيَجُوز الْجَمْع نَحْو : " خُشَّعًا أَبْصَارهمْ " قَالَ [ الْحَرْث بْن دَوْس الْإِيَادِيّ ] : وَشَبَابٍ حَسَنٍ أَوْجُههمْ مِنْ إِيَاد بْن نِزَار بْن مَعَد و " خُشَّعًا " جَمْع خَاشِع وَالنَّصْب فِيهِ عَلَى الْحَال مِنْ الْهَاء وَالْمِيم فِي " عَنْهُمْ " فَيَقْبُح الْوَقْف عَلَى هَذَا التَّقْدِير عَلَى " عَنْهُمْ " . وَيَجُوز أَنْ يَكُون حَالًا مِنْ الْمُضْمَر فِي " يَخْرُجُونَ " فَيُوقَف عَلَى " عَنْهُمْ " . وَقُرِئَ " خُشَّعٌ أَبْصَارُهُمْ " عَلَى الِابْتِدَاء وَالْخَبَر , وَمَحَلّ الْجُمْلَة النَّصْب عَلَى الْحَال , كَقَوْلِهِ : وَجَدْته حَاضِرَاهُ الْجُودُ وَالْكَرَمُ

أَيْ الْقُبُور وَاحِدهَا جَدَث .

وَقَالَ فِي مَوْضِع آخَر : " يَوْم يَكُون النَّاس كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوث " [ الْقَارِعَة : 4 ] فَهُمَا صِفَتَانِ فِي وَقْتَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ; أَحَدهمَا : عِنْد الْخُرُوج مِنْ الْقُبُور , يَخْرُجُونَ فَزِعِينَ لَا يَهْتَدُونَ أَيْنَ يَتَوَجَّهُونَ , فَيَدْخُل بَعْضهمْ فِي بَعْض ; فَهُمْ حِينَئِذٍ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوث بَعْضه فِي بَعْض لَا جِهَة لَهُ يَقْصِدهَا الثَّانِي : فَإِذَا سَمِعُوا الْمُنَادِي قَصَدُوهُ فَصَارُوا كَالْجَرَادِ الْمُنْتَشِر ; لِأَنَّ الْجَرَاد لَهُ جِهَة يَقْصِدهَا .
مشاركة الموضوع