تفسير السعدي

سورة الذاريات الآية ٢٤

هَلْ أَتَىٰكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَٰهِيمَ ٱلْمُكْرَمِينَ ﴿٢٤﴾
هل أتاك- يا محمد- حديث ضيف إبراهيم الذين أكرمهم- وكانوا من الملائكة الكرام-
هل أتاك -أيها الرسول- حديث ضيف إبراهيم الذين أكرمهم- وكانوا من الملائكة الكرام- حين دخلوا عليه في بيته، فحيَّوه قائلين له: سلامًا، فردَّ عليهم التحية قائلا سلام عليكم، أنتم قوم غرباء لا نعرفكم.
"هَلْ أَتَاك" خِطَاب لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "حَدِيث ضَيْف إبْرَاهِيم الْمُكْرَمِينَ" وَهُمْ مَلَائِكَة اثْنَا عَشَر أَوْ عَشْرَة أَوْ ثَلَاثَة مِنْهُمْ جِبْرِيل
هَذِهِ الْقِصَّة قَدْ تَقَدَّمَتْ فِي سُورَة هُود وَالْحِجْر أَيْضًا فَقَوْله " هَلْ أَتَاك حَدِيث ضَيْف إِبْرَاهِيم الْمُكْرَمِينَ " أَيْ الَّذِينَ أَرْصَدَ لَهُمْ الْكَرَامَة وَقَدْ ذَهَبَ الْإِمَام أَحْمَد وَطَائِفَة مِنْ الْعُلَمَاء إِلَى وُجُوب الضِّيَافَة لِلنَّزِيلِ وَقَدْ وَرَدَتْ السُّنَّة بِذَلِكَ كَمَا هُوَ ظَاهِر التَّنْزِيل .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { هَلْ أَتَاك حَدِيث ضَيْف إِبْرَاهِيم } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , يُخْبِرهُ أَنَّهُ مُحِلٌّ بِمَنْ تَمَادَى فِي غَيّه , وَأَصَرَّ عَلَى كُفْره , فَلَمْ يَتُبْ مِنْهُ مِنْ كُفَّار قَوْمه , مَا أَحَلَّ بِمَنْ قَبْلَهُمْ مِنَ الْأُمَم الْخَالِيَة , وَمُذَكِّرًا قَوْمَهُ مِنْ قُرَيْش بِإِخْبَارِهِ إِيَّاهُمْ أَخْبَارَهُمْ وَقَصَصَهُمْ , وَمَا فُعِلَ بِهِمْ , هَلْ أَتَاك يَا مُحَمَّد حَدِيث ضَيْف إِبْرَاهِيم خَلِيل الرَّحْمَن الْمُكْرَمِينَ.

يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { الْمُكْرَمِينَ } أَنَّ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام وَسَارَة خَدَمَاهُمْ بِأَنْفُسِهِمَا . وَقِيلَ : إِنَّمَا قِيلَ { الْمُكْرَمِينَ } كَمَا : 24920 -حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { ضَيْف إِبْرَاهِيم الْمُكْرَمِينَ } قَالَ : أَكْرَمَهُمْ إِبْرَاهِيم , وَأَمَرَ أَهْله لَهُمْ بِالْعِجْلِ حِينَئِذٍ .
ذَكَرَ قِصَّة إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام لِيُبَيِّن بِهَا أَنَّهُ أَهْلَكَ الْمُكَذِّب بِآيَاتِهِ كَمَا فَعَلَ بِقَوْمِ لُوط . " هَلْ أَتَاك " أَيْ أَلَمْ يَأْتِك . وَقِيلَ : " هَلْ " بِمَعْنَى قَدْ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَان حِين مِنْ الدَّهْر " [ الْإِنْسَان : 1 ] . وَقَدْ مَضَى الْكَلَام فِي ضَيْف إِبْرَاهِيم فِي " هُود " " وَالْحِجْر " . " الْمُكْرَمِينَ " أَيْ عِنْد اللَّه ; دَلِيله قَوْله تَعَالَى : " بَلْ عِبَاد مُكْرَمُونَ " [ الْأَنْبِيَاء : 26 ] قَالَ اِبْن عَبَّاس : يُرِيد جِبْرِيل وَمِيكَائِيل وَإِسْرَافِيل - زَادَ عُثْمَان بْن حُصَيْن - وَرفائيل عَلَيْهِمْ الصَّلَاة وَالسَّلَام . وَقَالَ مُحَمَّد بْن كَعْب : كَانَ جِبْرِيل وَمَعَهُ تِسْعَة . وَقَالَ عَطَاء وَجَمَاعَة : كَانُوا ثَلَاثَة جِبْرِيل وَمِيكَائِيل وَمَعَهُمَا مَلَك آخَر . قَالَ اِبْن عَبَّاس : سَمَّاهُمْ مُكْرَمِينَ لِأَنَّهُمْ غَيْر مَذْعُورِينَ . وَقَالَ مُجَاهِد : سَمَّاهُمْ مُكْرَمِينَ لِخِدْمَةِ إِبْرَاهِيم إِيَّاهُمْ بِنَفْسِهِ . قَالَ عَبْد الْوَهَّاب : قَالَ لِي عَلِيّ بْن عِيَاض : عِنْدِي هَرِيسَة مَا رَأْيك فِيهَا ؟ قُلْت : مَا أَحْسَنَ رَأْيِي فِيهَا ; قَالَ : اِمْضِ بِنَا ; فَدَخَلْت الدَّار فَنَادَى الْغُلَام فَإِذَا هُوَ غَائِب , فَمَا رَاعَنِي إِلَّا بِهِ وَمَعَهُ الْقُمْقُمَة وَالطَّسْت وَعَلَى عَاتِقه الْمِنْدِيل , فَقُلْت : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ , لَوْ عَلِمْت يَا أَبَا الْحَسَن أَنَّ الْأَمْر هَكَذَا ; قَالَ : هَوِّنْ عَلَيْك فَإِنَّك عِنْدنَا مُكْرَم , وَالْمُكْرَم إِنَّمَا يُخْدَم بِالنَّفْسِ ; اُنْظُرْ إِلَى قَوْله تَعَالَى : " هَلْ أَتَاك حَدِيث ضَيْف إِبْرَاهِيم الْمُكْرَمِينَ " .
مشاركة الموضوع