الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { مَا الْمَسِيح اِبْن مَرْيَم إِلَّا رَسُول قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْله الرُّسُل } وَهَذَا خَبَر مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره اِحْتِجَاجًا لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى فِرَق النَّصَارَى فِي قَوْلهمْ فِي الْمَسِيح . يَقُول مُكَذِّبًا لِلْيَعْقُوبِيَّةِ فِي قِيلهمْ : هُوَ اللَّه , وَالْآخَرِينَ فِي قِيلهمْ : هُوَ اِبْن اللَّه : لَيْسَ الْقَوْل كَمَا قَالَ هَؤُلَاءِ الْكَفَرَة فِي الْمَسِيح , وَلَكِنَّهُ اِبْن مَرْيَم وَلَدَتْهُ وِلَادَة الْأُمَّهَات أَبْنَاءَهُنَّ , وَذَلِكَ مِنْ صِفَة الْبَشَر لَا مِنْ صِفَة خَالِق الْبَشَر , وَإِنَّمَا هُوَ لِلَّهِ رَسُول كَسَائِرِ رُسُله الَّذِينَ كَانُوا قَبْله فَمَضَوْا وَخَلَوْا , أَجْرَى عَلَى يَده مَا شَاءَ أَنْ يُجْرِيه عَلَيْهَا مِنْ الْآيَات وَالْعِبَر بِحُجَّةٍ لَهُ عَلَى صِدْقه وَعَلَى أَنَّهُ لِلَّهِ رَسُول إِلَى مَنْ أَرْسَلَهُ إِلَيْهِ مِنْ خَلْقه , كَمَا أَجْرَى عَلَى أَيْدِي مَنْ قَبْله مِنْ الرُّسُل مِنْ الْآيَات وَالْعِبَر حُجَّة لَهُمْ عَلَى حَقِيقَة صِدْقهمْ فِي أَنَّهُمْ لِلَّهِ رُسُل .
يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَأُمّ الْمَسِيح صِدِّيقَة , وَالصِّدِّيقَة : الْفِعِّيلَة مِنْ الصِّدْق , وَكَذَلِكَ قَوْلهمْ فُلَان صِدِّيق : فِعِّيل مِنْ الصِّدْق , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ذِكْره : { وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء } . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ أَبَا بَكْر الصِّدِّيق رَضِيَ اللَّه عَنْهُ إِنَّمَا قِيلَ لَهُ الصِّدِّيق لِصِدْقِهِ , وَقَدْ قِيلَ : إِنَّمَا سُمِّيَ صِدِّيقًا لِتَصْدِيقِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَسِيره فِي لَيْلَة وَاحِدَة إِلَى بَيْت الْمَقْدِس مِنْ مَكَّة وَعَوْده إِلَيْهَا .
وَقَوْله : { كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَام } خَبَر مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره عَنْ الْمَسِيح وَأُمّه أَنَّهُمَا كَانَا أَهْل حَاجَة إِلَى مَا يَغْذُوهُمَا وَتَقُوم بِهِ أَبْدَانهمَا مِنْ الْمَطَاعِم وَالْمَشَارِب كَسَائِرِ الْبَشَر مِنْ بَنِي آدَم . فَإِنَّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ , فَغَيْر كَائِن إِلَهًا ; لِأَنَّ الْمُحْتَاج إِلَى الْغِذَاء قِوَامه بِغَيْرِهِ , وَفِي قِوَامه بِغَيْرِهِ وَحَاجَته إِلَى مَا يُقِيمهُ دَلِيل وَاضِح عَلَى عَجْزه , وَالْعَاجِز لَا يَكُون إِلَّا مَرْبُوبًا لَا رَبًّا .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { اُنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّن لَهُمْ الْآيَات } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد : اُنْظُرْ يَا مُحَمَّد كَيْفَ نُبَيِّن لِهَؤُلَاءِ الْكَفَرَة مِنْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى الْآيَات , وَهِيَ الْأَدِلَّة وَالْأَعْلَام وَالْحُجَج عَلَى بُطُولِ مَا يَقُولُونَ فِي أَنْبِيَاء اللَّه , وَفِي فِرْيَتهمْ عَلَى اللَّه , وَادِّعَائِهِمْ لَهُ وَلَدًا , وَشَهَادَتهمْ لِبَعْضِ خَلْقه بِأَنَّهُ لَهُمْ رَبّ وَإِلَه , ثُمَّ لَا يَرْتَدِعُونَ عَنْ كَذِبهمْ وَبَاطِل قِيلهمْ , وَلَا يَنْزَجِرُونَ عَنْ فِرْيَتهمْ عَلَى رَبّهمْ وَعَظِيم جَهْلهمْ , مَعَ وُرُود الْحُجَج الْقَاطِعَة عُذْرهمْ عَلَيْهِمْ .
يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ثُمَّ اُنْظُرْ يَا مُحَمَّد أَنَّى يُؤْفَكُونَ ؟ يَقُول : ثُمَّ اُنْظُرْ مَعَ تَبِيننَا لَهُمْ آيَاتنَا عَلَى بُطُولِ قَوْلهمْ : أَيّ وَجْه يَصْرِفُونَ عَنْ بَيَاننَا الَّذِي بَيَّنْته لَهُمْ , وَكَيْفَ عَنْ الْهُدَى الَّذِي نَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ مِنْ الْحَقّ يَضِلُّونَ ؟ وَالْعَرَب تَقُول لِكُلِّ مَصْرُوف عَنْ شَيْء : هُوَ مَأْفُوك عَنْهُ , يُقَال : قَدْ أَفَكْت فُلَانًا عَنْ كَذَا : أَيْ صَرَفْته عَنْهُ , فَأَنَا آفِكهُ أَفْكًا , وَهُوَ مَأْفُوك , وَقَدْ أُفِكَتْ الْأَرْض : إِذَا صُرِفَ عَنْهَا الْمَطَر .