" أَفَحُكْم " نُصِبَ بـ " يَبْغُونَ " وَالْمَعْنَى : أَنَّ الْجَاهِلِيَّة كَانُوا يَجْعَلُونَ حُكْم الشَّرِيف خِلَاف حُكْم الْوَضِيع ; كَمَا تَقَدَّمَ فِي غَيْر مَوْضِع , وَكَانَتْ الْيَهُود تُقِيم الْحُدُود عَلَى الضُّعَفَاء الْفُقَرَاء , وَلَا يُقِيمُونَهَا عَلَى الْأَقْوِيَاء الْأَغْنِيَاء ; فَضَارَعُوا الْجَاهِلِيَّة فِي هَذَا الْفِعْل . رَوَى سُفْيَان بْن عُيَيْنَة عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ طَاوُس قَالَ : كَانَ إِذَا سَأَلُوهُ عَنْ الرَّجُل يُفَضِّل بَعْض وَلَده عَلَى بَعْض يَقْرَأ هَذِهِ الْآيَة " أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّة يَبْغُونَ " فَكَانَ طَاوُس يَقُول : لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُفَضِّل بَعْض وَلَده عَلَى بَعْض , فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يَنْفُذ وَفُسِخَ ; وَبِهِ قَالَ أَهْل الظَّاهِر , وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَد بْن حَنْبَل مِثْله , وَكَرِهَهُ الثَّوْرِيّ وَابْن الْمُبَارَك وَإِسْحَاق ; فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَحَد نَفَذَ وَلَمْ يُرَدّ , وَأَجَازَ ذَلِكَ مَالِك وَالثَّوْرِيّ وَاللَّيْث وَالشَّافِعِيّ وَأَصْحَاب الرَّأْي ; وَاسْتَدَلُّوا بِفِعْلِ الصِّدِّيق فِي نَحْله عَائِشَةَ دُون سَائِر وَلَده , وَبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( فَارْجِعْهُ ) وَقَوْله : ( فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي ) , وَاحْتَجَّ الْأَوَّلُونَ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام لِبَشِيرٍ : ( أَلَك وَلَد سِوَى هَذَا ) قَالَ نَعَمْ , فَقَالَ : ( أَكُلّهمْ وَهَبْت لَهُ مِثْل هَذَا ) فَقَالَ لَا , قَالَ : ( فَلَا تُشْهِدنِي إِذًا فَإِنِّي لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْر ) فِي رِوَايَة ( وَإِنِّي لَا أَشْهَدُ إِلَّا عَلَى حَقّ ) . قَالُوا : وَمَا كَانَ جَوْرًا وَغَيْر حَقّ فَهُوَ بَاطِل لَا يَجُوز . وَقَوْله : ( أَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي ) لَيْسَ إِذْنًا فِي الشَّهَادَة وَإِنَّمَا هُوَ زَجْر عَنْهَا ; لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام قَدْ سَمَّاهُ جَوْرًا وَامْتَنَعَ مِنْ الشَّهَادَة فِيهِ ; فَلَا يُمْكِن أَنْ يَشْهَد أَحَد مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ بِوَجْهٍ , وَأَمَّا فِعْل أَبِي بَكْر فَلَا يُعَارَض بِهِ قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَعَلَّهُ قَدْ كَانَ نَحَلَ أَوْلَاده نُحْلًا يُعَادِل ذَلِكَ . فَإِنْ قِيلَ : الْأَصْل تَصَرُّف الْإِنْسَان فِي مَاله مُطْلَقًا , قِيلَ لَهُ : الْأَصْل الْكُلِّيّ وَالْوَاقِعَة الْمُعَيَّنَة الْمُخَالِفَة لِذَلِكَ الْأَصْل لَا تَعَارُض بَيْنهمَا كَالْعُمُومِ وَالْخُصُوص , وَفِي الْأُصُول أَنَّ الصَّحِيح بِنَاء الْعَامّ عَلَى الْخَاصّ , ثُمَّ إِنَّهُ يَنْشَأ عَنْ ذَلِكَ الْعُقُوق الَّذِي هُوَ أَكْبَرُ الْكَبَائِر , وَذَلِكَ مُحَرَّمٌ , وَمَا يُؤَدِّي إِلَى الْمُحَرَّم فَهُوَ مَمْنُوع ; وَلِذَلِكَ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اِتَّقُوا اللَّه وَاعْدِلُوا بَيْن أَوْلَادكُمْ ) . قَالَ النُّعْمَان : فَرَجَعَ أَبِي فَرَدَّ تِلْكَ الصَّدَقَة , وَالصَّدَقَة لَا يَعْتَصِرهَا الْأَب بِالْإِنْفَاقِ وَقَوْله : ( فَارْجِعْهُ ) مَحْمُول عَلَى مَعْنَى فَارْدُدْهُ , وَالرَّدّ ظَاهِر فِي الْفَسْخ ; كَمَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام ( مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرنَا فَهُوَ رَدٌّ ) أَيْ مَرْدُود مَفْسُوخ . وَهَذَا كُلّه ظَاهِر قَوِيّ , وَتَرْجِيح جَلِيّ فِي الْمَنْع . قَرَأَ اِبْن وَثَّاب وَالنَّخَعِيّ " أَفَحُكْمُ " بِالرَّفْعِ عَلَى مَعْنَى يَبْغُونَهُ ; فَحَذَفَ الْهَاء كَمَا حَذَفَهَا أَبُو النَّجْم فِي قَوْله : قَدْ أَصْبَحَتْ أُمُّ الْخِيَار تَدَّعِي عَلَيَّ ذَنْبًا كُلّه لَمْ أَصْنَعِ فِيمَنْ رَوَى " كُلُّهُ " بِالرَّفْعِ . وَيَجُوز أَنْ يَكُون التَّقْدِير : أَفَحُكْمُ الْجَاهِلِيَّة حُكْمٌ يَبْغُونَهُ , فَحَذَفَ الْمَوْصُوف , وَقَرَأَ الْحَسَن وَقَتَادَة وَالْأَعْرَج وَالْأَعْمَش " أَفَحَكَمَ " بِنَصَبِ الْحَاء وَالْكَاف وَفَتْح الْمِيم ; وَهِيَ رَاجِعَة إِلَى مَعْنَى قِرَاءَة الْجَمَاعَة إِذْ لَيْسَ الْمُرَاد نَفْس الْحَكَم , وَإِنَّمَا الْمُرَاد الْحُكْم ; فَكَأَنَّهُ قَالَ : أَفَحُكْم حَكَم الْجَاهِلِيَّة يَبْغُونَ , وَقَدْ يَكُون الْحَكَم وَالْحَاكِم فِي اللُّغَة وَاحِدًا وَكَأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ الْكَاهِن وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ حُكَّام الْجَاهِلِيَّة ; فَيَكُون الْمُرَاد بِالْحُكْمِ الشُّيُوع وَالْجِنْس , إِذْ لَا يُرَاد بِهِ حَاكِم بِعَيْنِهِ ; وَجَازَ وُقُوع الْمُضَاف جِنْسًا كَمَا جَازَ فِي قَوْلهمْ : مَنَعَتْ مِصْر إِرْدَبّهَا , وَشِبْهه , وَقَرَأَ اِبْن عَامِر " تَبْغُونَ " بِالتَّاءِ , الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ .
هَذَا اِسْتِفْهَام عَلَى جِهَة الْإِنْكَار بِمَعْنَى : لَا أَحَد أَحْسَن ; فَهَذَا اِبْتِدَاء وَخَبَر . و " حُكْمًا " نُصِبَ عَلَى الْبَيَان . [ لِقَوْلِهِ ] " لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ " أَيْ عِنْد قَوْم يُوقِنُونَ .