تفسير السعدي

سورة الجاثية الآية ٨

يَسْمَعُ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًۭا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا ۖ فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍۢ ﴿٨﴾
يسمع آيات كتاب الله تقرأ عليه, ثم يتمادى في كفره متعاليا في نفسه عن الانقياد لله ورسوله, كأنه لم يسمع ما تلي عليه من آيات الله, فبشر- يا محمد- هذا الأفاك الأثيم بعذاب مؤلم مؤجع في نار جهنم يوم القيامة.
يسمع آيات كتاب الله تُقْرأ عليه، ثم يتمادى في كفره متعاليًا في نفسه عن الانقياد لله ورسوله، كأنه لم يسمع ما تُلي عليه من آيات الله، فبشر -أيها الرسول- هذا الأفاك الأثيم بعذاب مؤلم موجع في نار جهنم يوم القيامة.
"يَسْمَع آيَات اللَّه" الْقُرْآن "تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرّ" عَلَى كُفْره "مُسْتَكْبِرًا" مُتَكَبِّرًا عَنْ الْإِيمَان "كَأَنْ لَمْ يَسْمَعهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيم" مُؤْلِم
وَلِهَذَا قَالَ" يَسْمَع آيَات اللَّه تُتْلَى عَلَيْهِ " أَيْ تُقْرَأ عَلَيْهِ ثُمَّ يَصِرّ أَيْ عَلَى كُفْره وَجُحُوده اِسْتِكْبَارًا وَعِنَادًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعهَا أَيْ كَأَنَّهُ مَا سَمِعَهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيم أَيْ فَأَخْبِرْهُ أَنَّ لَهُ عِنْد اللَّه تَعَالَى يَوْم الْقِيَامَة عَذَابًا أَلِيمًا مُوجِعًا .
{ يَسْمَع آيَات اللَّه تُتْلَى عَلَيْهِ } يَقُول : يَسْمَع آيَات كِتَاب اللَّه تُقْرَأ عَلَيْهِ { ثُمَّ يُصِرّ } عَلَى كُفْره وَإِثْمه فَيُقِيم عَلَيْهِ غَيْر تَائِب مِنْهُ , وَلَا رَاجِع عَنْهُ { مُسْتَكْبِرًا } عَلَى رَبّه أَنْ يُذْعِن لِأَمْرِهِ وَنَهْيه.

{ كَأَنْ لَمْ يَسْمَعهَا } يَقُول : كَأَنْ لَمْ يَسْمَع مَا تُلِيَ عَلَيْهِ مِنْ آيَات اللَّه بِإِصْرَارِهِ عَلَى كُفْره .

{ فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيم } يَقُول : فَبَشِّرْ يَا مُحَمَّد هَذَا الْأَفَّاك الْأَثِيم الَّذِي هَذِهِ صِفَته بِعَذَابٍ مِنَ اللَّه لَهُ . { أَلِيم } : يَعْنِي مُوجِع فِي نَار جَهَنَّم يَوْم الْقِيَامَة.
يَعْنِي آيَات الْقُرْآن .

أَيْ يَتَمَادَى عَلَى كُفْره مُتَعَظِّمًا فِي نَفْسه عَنْ الِانْقِيَاد مَأْخُوذ مِنْ صَرَّ الصُّرَّة إِذَا شَدَّهَا . قَالَ مَعْنَاهُ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره . وَقِيلَ : أَصْله مِنْ إِصْرَار الْحِمَار عَلَى الْعَانَة وَهُوَ أَنْ يَنْحَنِي عَلَيْهَا صَارًّا أُذُنَيْهِ . وَ " أَنْ " مِنْ " كَأَنْ " مُخَفَّفَة مِنْ الثَّقِيلَة ; كَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعهَا , وَالضَّمِير ضَمِير الشَّأْن ; كَمَا فِي قَوْله : كَأَنْ ظَبْيَة تَعْطُو إِلَى نَاضِر السَّلَمْ وَمَحَلّ الْجُمْلَة النَّصْب , أَيْ يُصِرّ مِثْل غَيْر السَّامِع . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّل " لُقْمَان " الْقَوْل فِي مَعْنَى هَذِهِ الْآيَة

أَيْ مُؤْلِم .
مشاركة الموضوع