فأهلكنا من كذبوا رسلنا, وكأنوا أشد قوة وبأسا من قومك يا محمد, ومضت عقوبة الأولين بأن أهلكوا بسبب كفرهم وطغيانهم واستهزائهم بأنبيائهم.
وفي هذا تلبية للنبي صلى الله عليه وسلم.
والذي نزل من السماء مطرا بقدر, ليس طوفانا مغرقا ولا قاصرا عن الحاجة.
حتى يكون معاشا لكم ولأنعامكم, فأحيينا بالماء بلدة مقفرة من النبات , كما أخرجنا بهذا الماء الذي نزلناه من السماء من هذه البلده الميتة النبات والزرع, تخرجون- أيها الناس- من قبوركم بعد فنائكم.
وجعل هؤلاء المشركون لله من خلقه نصيبا, وذلك قولهم للملائكة: بنات الله إن الإنسان لجحود لنعم ربه التي أنعم بها عليه, مظهر لجحوده وكفره يعدد المصائب, وينسى النعم.
وإذا بشر أحدهم بالأنثى التي نسبها للرحمن حين زعم أن الملائكة بنات الله صار وجهه مسودا من سوء البشارة بالأنثى, وهو حزين مملوء من الهم والكرب (فكيف يرضون لله ما لا يرضونه لأنفسهم؟ تعالى الله وتقدس عما يقول الكافرون علوا كبيرا).
وقال هؤلاء المشركون من قريش: لو شاء الرحمن ما عبدنا أحدا من دونه, وهذه حجة باطلة, فقد أقام الله الحجة على العباد بإرسال الرسل وإنزال الكتب, فاحتجاجهم بالقضاء والقدر من أبطل الباطل من بعد إنذار الرسل لهم.
ما لهم بحقيقة ما يقولون من ذلك من علم, وإنما يقولونه تخرصا وكذبا.
لأنه لا خبر عندهم من الله بتلك ولا برهان.
وكذلك ما أرسلنا من قبلك - يا محمد- في قرية من نذير ينذرهم عقابنا على كفرهم بنا, فأنذروهم وحذروهم سخطنا وحلول عقوبتنا, إلا قال الذين أبطرتهم النعمة من الرؤساء والكبراء: إنا وجدنا آباءنا على ملة ودين, إنا على منهاجهم وطريقتهم مقتدون.
قال محمد صلى الله عليه وسلم ومن سبقه من الرسل لمن عارضه بهذه الشبهة الباطلة: أتتبعون أباءكم, ولو جئتكم من عند ربكم بأهدى إلى طريق الحق وأدل على سبيل الرشاد مما وجدتم عليه آبائكم من الدين والملة فقالوا في عناد: إنا بما أرسلتم به جاحدون كافرون.
فانتقمنا من هذه الأمم المكذبة رسلها بإحلالنا العقوبة بهم خسفا وغرقا وغير ذلك, فانظر- يا محمد- كيف كان عاقبة أمرهم إذ كذبوا بآيات الله ورسله؟ وليحذر قومك أن يستمروا على تكذيبهم, فيصيبهم مثل ما أصابهم.
بل متعت- يا محمد- هؤلاء المشركين من قومك وآبائهم من قبلهم بالحياة, فلم أعاجلهم بالعقوبة على كفرهم, حتى جائهم القرآن برسول بين لهم ما يحتاجون إليه من أمور دينهم.
أهم يقسمون النبوة فيضعونها حيث شاؤوا؟ نحن قسمنا بينهم معيشتهم في حياتهم الدنيا من الأرزاق والأقوات, ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات: هذا غني وهذا فقير, وهذا قوي وهذا ضعيف ليكون بعضهم سببا لبعض في المعاش ورحمة ربك - يا محمد - بإدخالهم الجنة خير مما يجمعون من حطام الدنيا الفاني.
ومن يعرض عن ذكر الرحمن, وهو القرآن, فلم يخف عقابه, ولم يهتد بهدايته, نجعل له شيطانا في الدنيا يغويه; جزاء له على إعراضه عن ذكر الله, فهو له ملازم ومصاحب يمنعه الحلال, ويبعثه على الحرام.
إن الشياطين ليصدون عن سبيل الحق هؤلاء الذين يعرضون عن ذكر الله, فيزينون لهم الضلالة, ويكرهون لهم الإيمان بالله وللعمل بطاعته, ويظن هؤلاء المعرضون بتحسين الشياطين لهم ما هم عليه من الضلال أنهم على الحق والهدى.
حتى إذا جاءنا الذي أعرض عن ذكر الرحمن وقرينه من الشياطين للحساب والجزاء, قال المعرض عن ذكر الله لقرينه: وددت أن بيني وبينك بعد ما بين المشرق والمغرب, فبئس القرين لي حيث أغويتني.
ولن ينفعكم اليوم- أيها المعرضون- عن ذكر الله إذ أشركتم في الدنيا أنكم في العذاب مشركون أنتم وقرناؤكم, فلكل واحد نصيبه الأوفر من العذاب, كما أشركم في الكفر.
أفأنت- يا محمد- تسمع من أصمه الله عن سماع الحق, أو تهدي إلى طريق الهدى من أعمى قلبه عن إبصاره, أو تهدي من كان في ضلال عن الحق بين واضح؟ ليس ذلك إليك, إنما عليك البلاغ, وليس عليك هداهم, ولكن الله يهدي من يشاء, ويضل من يشاء.
فاستمسك- يا محمد- بما يأمرك به الله في هذا القرآن الذي أوحاه إليك إنك على صراط مستقيم, وذلك هو دين الله الذي أمر به, وهو الإسلام.
وفي هذا تثبيت للرسول صلى الله عليه وسلم, وثناء عليه.
لأن هذا القرآن لشرف لك ولقومك من قريش حيث أنزل بلغتهم, فهم أفهم الناس له, فينبغي أن يكونوا أقوم الناس به, وأعملهم بمقتضاه, وسوف تسألون أنت ومن معك عن الشكر لله عليه والعمل به.
واسأل- يا محمد- أتباع من أرسلنا من قبلك من رسلنا وحملة شرائعهم: أجاءت رسلهم بعبادة غير الله؟ فإنهم يخبرونك أن ذلك لم يقع; فإن جميع الرسل دعوا إلى ما دعوت الناس إليه من عبادة الله وحده, لا شريك له, ونهوا عن عبادة ما سوى الله.
وما نري فرعون وملأه من حجة إلا هي أعظم من التي قبلها, وأدل على صحة ما يدعوهم موسى عليه, وأخذناهم بصنوف العذاب كالجراد والقمل والضفادع والطوفان, وغير ذلك; لعلهم يرجعون عن كفرهم بالله إلى توحيده وطاعته.
وقال فرعون وملؤه لموسى: يا أيها العالم (وكان الساحر فيهم عظيما يوقرونه ولم يكن السحر صفة ذم) ادع لنا ربك بعهده الذي عهد إليك وما خصك به من الفضائل أن يكشف عنا العذاب, فإن كف عنا العذاب فإننا لمهتدون مؤمنون بما جئتنا به.
بل أنا خير من هذا الذي لا عز معه, فهو يمتهن نفسه في حاجاته لضعفه وحقارته, ولا يكاد يبين الكلام لعي لسانه, وقد حمل فرعون على هذا القول الكفر والعناد والصد عن سبيل الله.
ولما ضرب المشركون عى ابن مريم مثلا حين خاصموا محمدا صلى الله عليه وسلم, وحاجوه بعبادة النصارى إياه, إذا قومك من ذلك ولأجله يرتفع لهم جلبة وضجيج فرحا وسرورا, وذلك عندما نزل فيه تعالى (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون), وقال المشركون: رضينا أن تكون آلهتنا بمنزلة عيسى, فأنزل الله قوله: (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون), فالذي يلقى في النار من آلهة المشركين من رضي بعبادتهم إياه.
وقال مشركوا قومك- يا محمد-: آلهتنا التي نعبدها خير أم عيسى الذي يعبد قومه؟ فإذا كان عيسى في النار, فلنكن نحن وآلهتنا معه, ما ضربوا لك هذا المثل إلا جدلا, بل هم قوم مخاصمون بالباطل.
وإن نزول عيسى عليه السلام قبل يوم القيامة لدليل على قرب, وقوع الساعة, فلا تشكوا أنها واقعة لا محالة, واتبعون فيما أخبركم به عن الله تعالى, هذا طريق قويم يلي الجنة, لا اعوجاج فيه.
ولما جاء عيس بني إسرائيل بالبينات الواضحات من الأدلة قال: قد جئنكم بالنبوة, ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه من أمور الدين, فاتقوا الله بامتنال أوامره واجتناب نواهيه, وأطيعون فيما أمرتكم به من تقوى الله وطاعته.
إن الله سبحانه وتعالى هو ربي وربكم جميعا فاعبدوه وحده, ولا تشركوا به شيئا, هذا الذي أمرتكم به من تقوى الله وإفراده بالألوهية هو الطريق المستقيم, وهو دين الله الحق الذي لا يقبل من أحد سواه.
فاختلفت الفرق في أمر عيسى عليه السلام, وصاروا فيه شيعا ; منهم من يقر بأنه عبد الله ورسوله, وهو الحق, ومنهم من يزعم أنه ابن الله, ومنهم من يقول, إنه الله, تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا, فهلاك ودمار, وعذاب أليم يوم القيامة لمن وصفوا عيسى بغير ما وصفه الله به.
يطاف على هؤلاء الذين آمنوا بالله ورسله في الجنة بالطعام في أوان من ذهب, وبالشراب في أكواب من ذهب, وفيها لهم ما تشتهي أنفسهم وتلذه أعينهم, وهم ماكثون فيها أبدا.
ونادى هؤلاء المجرمون بعد أن أدخلهم الله جهنم " مالكا " خازن جهنم: يا مالك ليمتنا ربك, فنستريح مما نحن فيه, فأجابهم مالك; إنكم ماكثون, لا خروج لكم منها, ولا محيد لكم عنها,
أم يظن هؤلاء المشركون بالله أنا لا نسمع ما يسرونه في أنفسهم, ويتناجون به بينهم؟ بلى نسمع ونعلم, ورسلنا الملائكة الكرام الحفظة يكتبون عليهم كل ما عملوا.
قل- يا محمد- لمشركي قومك الزاعمين أن الملائكة بنات الله: ما كان للرحمن من ولد كما تزعمون, فأنا أول العابدين له سبحانه, المنكرين لما تزعمونه, فتقدس الله عن الصاحبة والولد.
فاترك- يا محمد- هؤلاء المفترين على الله يخوضوا في باطلهم, ويلعبوا في دنياهم, حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يوعدون بالعذاب: إما في الدنيا وإما في الآخرة وإما فيهما معا.
وتكاثرت بركة للله, وكثر خيره, وعظم ملكه, الذي له وحده سلطان السموات السبع والأرضين السبع وما بينهما من الأشياء كلها, وعنده علم الساعة التي تقم فيها القيامة, ويحشر فيها الخلق من قبورهم لموقف الحساب, وإليه تردون - أيها الناس- بعد مماتكم, فيجازى كلا بما يستحق.
ولا يملك الذين يعبدهم المشركون الشفاعة عنده لأحد إلا من شهد بالحق, وأقر بتوحيد الله وبنبيه محمد صلى الله عليه وسلم, وهم يعلمون حقيقة ما أقروا وشهدوا به.
فاصفح- يا محمد- عنهم, وأعرض عن أذاهم, ولا يبدر منك إلا السلام لهم الذي يقوله أولو الألباب والبصائر للجاهلين, فهم لا يسافهونهم ولا يعاملونهم بمثل أعمالهم السيئة, فسوف يعلمون ما يلقونه من البلاء والنكال وفي هذا تهديد ووعيد شديد لهؤلاء الكافرين المعاندين وأمثالهم.