تفسير السعدي

سورة الشورى الآية ٧

وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْءَانًا عَرَبِيًّۭا لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ فَرِيقٌۭ فِى ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌۭ فِى ٱلسَّعِيرِ ﴿٧﴾
وكما أوحينا إلى الأنبياء قبلك أوحينا إليك قرآنا عربيا, لتنذر أهل " مكة " ومن حولها من سائر الناس , وتنذر عذاب يوم الجمع , وهو يوم القيامة, لا شك في مجيئه.
الناس فيه فريقان: فريق في الجنة, وهم الذين آمنوا بالله واتبعوا ما جاءهم به رسوله محمد صلى الله عليه وسلم , ومنهم فريق في النار المستعرة, وهم الذين كفروا بالله, وخالفوا ما جاءهم به رسوله محمد صلى الله عليه وسلم.
وكما أوحينا إلى الأنبياء قبلك أوحَيْنا إليك قرآنا عربيًّا؛ لتنذر أهل "مكة" ومَن حولها مِن سائر الناس، وتنذر عذاب يوم الجمع، وهو يوم القيامة، لا شك في مجيئه. الناس فيه فريقان: فريق في الجنة، وهم الذين آمنوا بالله واتبعوا ما جاءهم به رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ومنهم فريق في النار المستعرة، وهم الذين كفروا بالله، وخالفوا ما جاءهم به رسوله محمد صلى الله عليه وسلم.
"وَكَذَلِكَ" مِثْل ذَلِكَ الْإِيحَاء "أَوْحَيْنَا إلَيْك قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِر" تُخَوِّف "أُمّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلهَا" أَيْ أَهْل مَكَّة وَسَائِر النَّاس "وَتُنْذِر" النَّاس "يَوْم الْجَمْع" يَوْم الْقِيَامَة تُجْمَع فِيهِ الْخَلَائِق "لَا رَيْب" شَكّ "فَرِيق" مِنْهُمْ "فِي الْجَنَّة وَفَرِيق فِي السَّعِير" النَّار
يَقُول تَعَالَى وَكَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى الْأَنْبِيَاء قَبْلك " أَوْحَيْنَا إِلَيْك قُرْآنًا عَرَبِيًّا " أَيْ وَاضِحًا جَلِيًّا بَيِّنًا " لِتُنْذِر أُمّ الْقُرَى" وَهِيَ مَكَّة " وَمَنْ حَوْلهَا " أَيْ مِنْ سَائِر الْبِلَاد شَرْقًا وَغَرْبًا وَسُمِّيَتْ مَكَّة أُمّ الْقُرَى لِأَنَّهَا أَشْرَف مِنْ سَائِر الْبِلَاد لِأَدِلَّةٍ كَثِيرَة مَذْكُورَة فِي مَوَاضِعهَا وَمِنْ أَوْجَز ذَلِكَ وَأَدَلّه مَا قَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَان حَدَّثَنَا شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيّ حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن قَالَ : إِنَّ عَبْد اللَّه بْن عَدِيّ بْن الْحَمْرَاء الزُّهْرِيّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول وَهُوَ وَاقِف بِالْحَزْوَرَةِ فِي سُوق مَكَّة" وَاَللَّه إِنَّك لَخَيْر أَرْض اللَّه وَأَحَبّ أَرْض اللَّه إِلَى اللَّه وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْت مِنْك مَا خَرَجْت " هَكَذَا رِوَايَة التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَهْ مِنْ حَدِيث الزُّهْرِيّ بِهِ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَسَن صَحِيح . وَقَوْله عَزَّ وَجَلَّ " وَتُنْذِر يَوْم الْجَمْع " وَهُوَ يَوْم الْقِيَامَة يَجْمَع اللَّه الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فِي صَعِيد وَاحِد وَقَوْله تَعَالَى " لَا رَيْب فِيهِ " أَيْ لَا شَكَّ فِي وُقُوعه وَأَنَّهُ كَائِن لَا مَحَالَة وَقَوْله جَلَّ وَعَلَا " فَرِيق فِي الْجَنَّة وَفَرِيق فِي السَّعِير " كَقَوْلِهِ تَعَالَى " يَوْم يَجْمَعكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْع ذَلِكَ يَوْم التَّغَابُن " أَيْ يَغْبِن أَهْل الْجَنَّة أَهْل النَّار وَكَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ " إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَة لِمَنْ خَافَ عَذَاب الْآخِرَة ذَلِكَ يَوْم مَجْمُوع لَهُ النَّاس وَذَلِكَ يَوْم مَشْهُود وَمَا نُؤَخِّرهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُود يَوْم يَأْتِ لَا تَكَلَّم نَفْس إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيّ وَسَعِيد " قَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا هَاشِم بْن الْقَاسِم حَدَّثَنَا لَيْث حَدَّثَنِي أَبُو قَبِيل الْمَعَافِرِيّ عَنْ شُفَيّ الْأَصْبَحِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا قَالَ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي يَده كِتَابَانِ فَقَالَ " أَتَدْرُونَ مَا هَذَانِ الْكِتَابَانِ ؟ " قُلْنَا لَا إِلَّا أَنْ تُخْبِرنَا يَا رَسُول اللَّه قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَّذِي فِي يَمِينه " هَذَا كِتَاب مِنْ رَبّ الْعَالَمِينَ بِأَسْمَاءِ أَهْل الْجَنَّة وَأَسْمَاء آبَائِهِمْ وَقَبَائِلهمْ - ثُمَّ أَجْمَلَ عَلَى آخِرهمْ - لَا يُزَاد فِيهِمْ وَلَا يَنْقُص مِنْهُمْ أَبَدًا - ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَّذِي فِي يَسَاره - هَذَا كِتَاب أَهْل النَّار بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاء آبَائِهِمْ وَقَبَائِلهمْ - ثُمَّ أَجْمَلَ عَلَى آخِرهمْ - لَا يُزَاد فِيهِمْ وَلَا يَنْقُص مِنْهُمْ أَبَدًا " . فَقَالَ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلِأَيِّ شَيْء نَعْمَل إِنْ كَانَ هَذَا أَمْر قَدْ فُرِغَ مِنْهُ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " سَدِّدُوا وَقَارِبُوا فَإِنَّ صَاحِب الْجَنَّة يُخْتَم لَهُ بِعَمَلِ أَهْل الْجَنَّة وَإِنْ عَمِلَ أَيّ عَمَل وَإِنَّ صَاحِب النَّار يُخْتَم لَهُ بِعَمَلِ أَهْل النَّار وَإِنْ عَمِلَ أَيّ عَمَل" ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ فَقَبَضَهَا ثُمَّ قَالَ " فَرَغَ رَبّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ الْعِبَاد - ثُمَّ قَالَ بِالْيُمْنَى فَنَبَذَ بِهَا فَقَالَ - فَرِيق فِي الْجَنَّة - وَنَبَذَ بِالْيُسْرَى وَقَالَ - فَرِيق فِي السَّعِير " وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ جَمِيعًا عَنْ قُتَيْبَة عَنْ اللَّيْث بْن سَعْد وَبَكْر بْن مُضَر كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي قُبَيْل عَنْ شُفَيّ بْن مَاتِع الْأَصْبَحِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا بِهِ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَسَن صَحِيح غَرِيب وَسَاقَهُ الْبَغَوِيّ فِي تَفْسِيره مِنْ طَرِيق بِشْر بْن بَكْر عَنْ سَعِيد بْن عُثْمَان عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّة عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَهُ بِنَحْوِهِ وَعِنْده زِيَادَات مِنْهَا - ثُمَّ فَرِيق فِي الْجَنَّة وَفَرِيق فِي السَّعِير عَدْل مِنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ - وَرَوَاهُ اِبْن أَبِي حَاتِم عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْد اللَّه بْن صَالِح كَاتِب اللَّيْث عَنْ اللَّيْث بِهِ وَرَوَاهُ اِبْن جَرِير عَنْ يُونُس عَنْ اِبْن وَهْب عَنْ عَمْرو بْن الْحَارِث عَنْ أَبِي قُبَيْل عَنْ شُفَيّ عَنْ رَجُل مِنْ الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ فَذَكَرَهُ ثُمَّ رُوِيَ عَنْ يُونُس عَنْ اِبْن وَهْب عَنْ عَمْرو بْن الْحَارِث وَحَيْوَة بْن شُرَيْح عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي أُسَيْد أَنَّ أَبَا فِرَاس حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا يَقُول : " إِنَّ اللَّه تَعَالَى لَمَّا خَلَقَ آدَم نَفَضَهُ نَفْض الْمِرْوَد وَأَخْرَجَ مِنْهُ كُلّ ذُرِّيَّته فَخَرَجَ أَمْثَال النَّغَف فَقَبَضَهُمْ قَبْضَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ شَقِيّ وَسَعِيد ثُمَّ أَلْقَاهُمَا ثُمَّ قَبَضَهُمَا فَقَالَ فَرِيق فِي الْجَنَّة وَفَرِيق فِي السَّعِير" وَهَذَا الْمَوْقُوف أَشْبَه بِالصَّوَابِ وَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى أَعْلَم . وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا عَبْد الصَّمَد حَدَّثَنَا حَمَّاد يَعْنِي اِبْن سَلَمَة أَخْبَرَنَا الْجُرَيْرِيّ عَنْ أَبِي نَضْرَة قَالَ : إِنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَال لَهُ أَبُو عَبْد اللَّه دَخَلَ عَلَيْهِ أَصْحَابه يَعْنِي يَزُورُونَهُ فَوَجَدُوهُ يَبْكِي فَقَالُوا لَهُ مَا يُبْكِيك أَلَمْ يَقُلْ لَك رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " خُذْ مِنْ شَارِبك ثُمَّ أَقِرَّهُ حَتَّى تَلْقَانِي " قَالَ بَلَى وَلَكِنْ سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول " إِنَّ اللَّه تَعَالَى قَبَضَ بِيَمِينِهِ قَبْضَة وَأُخْرَى بِالْيَدِ الْأُخْرَى قَالَ هَذِهِ لِهَذِهِ وَهَذِهِ لِهَذِهِ وَلَا أُبَالِي " فَلَا أَدْرِي فِي أَيّ الْقَبْضَتَيْنِ أَنَا . وَأَحَادِيث الْقَدَر فِي الصِّحَاح وَالسُّنَن وَالْمَسَانِيد كَثِيرَة جِدًّا مِنْهَا حَدِيث عَلِيّ وَابْن مَسْعُود وَعَائِشَة وَجَمَاعَة جَمَّة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْك قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلهَا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَهَكَذَا { أَوْحَيْنَا إِلَيْك } يَا مُحَمَّد { قُرْآنًا عَرَبِيًّا } بِلِسَانِ الْعَرَب ; لِأَنَّ الَّذِينَ أَرْسَلْنَاك إِلَيْهِمْ قَوْم عَرَب , فَأَوْحَيْنَا إِلَيْك هَذَا الْقُرْآن بِأَلْسِنَتِهِمْ ; لِيَفْهَمُوا مَا فِيهِ مِنْ حُجَج اللَّه وَذِكْره ; لِأَنَّا لَا نُرْسِل رَسُولًا إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمه , لِيُبَيِّنَ لَهُمْ { لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى } وَهِيَ مَكَّة { وَمَنْ حَوْلهَا } يَقُول : وَمَنْ حَوْل أُمّ الْقُرَى مِنْ سَائِر النَّاس. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23643 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنِ السُّدِّيّ , فِي قَوْله : { لِتُنْذِر أُمَّ الْقُرَى } قَالَ : مَكَّة .

وَقَوْله : { وَتُنْذِر يَوْم الْجَمْع } يَقُول عَزَّ وَجَلَّ : وَتُنْذِر عِقَاب اللَّه فِي يَوْم الْجَمْع عِبَاده لِمَوْقِفِ الْحِسَاب وَالْعَرْض , وَقِيلَ : وَتُنْذِر يَوْم الْجَمْع , وَالْمَعْنَى : وَتُنْذِرهُمْ يَوْم الْجَمْع , كَمَا قِيلَ : يُخَوِّف أَوْلِيَاءَهُ , وَالْمَعْنَى : يُخَوِّفكُمْ أَوْلِيَاءَهُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23644 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنِ السُّدِّيّ { وَتُنْذِر يَوْم الْجَمْع } قَالَ : يَوْم الْقِيَامَة. وَقَوْله : { لَا رَيْب فِيهِ } يَقُول : لَا شَكَّ فِيهِ .

وَقَوْله : { فَرِيق فِي الْجَنَّة وَفَرِيق فِي السَّعِير } يَقُول : مِنْهُمْ فَرِيق فِي الْجَنَّة , وَهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاتَّبَعُوا مَا جَاءَهُمْ بِهِ رَسُوله { وَفَرِيق فِي السَّعِير } يَقُول : وَمِنْهُمْ فَرِيق فِي الْمُوقَدَة مِنْ نَار اللَّه الْمَسْعُورَة عَلَى أَهْلهَا , وَهُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ , وَخَالَفُوا مَا جَاءَهُمْ بِهِ رَسُوله , وَقَدْ : * - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرو بْن الْحَارِث , عَنْ أَبِي قَبِيل الْمَعَافِرِيّ , عَنْ شُفَيّ الْأَصْبَحِيّ , عَنْ رَجُل مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي يَده كِتَابَانِ , فَقَالَ : " هَلْ تَدْرُونَ مَا هَذَا ؟ " فَقُلْنَا : لَا , إِلَّا أَنْ تُخْبِرنَا يَا رَسُول اللَّه , قَالَ : " هَذَا كِتَاب مِنْ رَبّ الْعَالَمِينَ , فِيهِ أَسْمَاء أَهْل الْجَنَّة , وَأَسْمَاء آبَائِهِمْ وَقَبَائِلهمْ " , ثُمَّ أُجْمِلَ , عَلَى آخِرهمْ , " فَلَا يُزَاد فِيهِمْ وَلَا يُنْقَص مِنْهُمْ أَبَدًا , وَهَذَا كِتَاب أَهْل النَّار بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاء آبَائِهِمْ " , ثُمَّ أُجْمِلَ عَلَى آخِرهمْ , " فَلَا يُزَاد وَلَا يُنْقَص مِنْهُمْ أَبَدًا " , قَالَ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَفِيمَ إِذَنْ نَعْمَل إِنْ كَانَ هَذَا أَمْر قَدْ فُرِغَ مِنْهُ ؟ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " بَلْ سَدِّدُوا وَقَارِبُوا , فَإِنَّ صَاحِب الْجَنَّة يُخْتَم لَهُ بِعَمَلِ الْجَنَّة وَإِنْ عَمِلَ أَيّ عَمَل , وَصَاحِب النَّار يُخْتَم لَهُ بِعَمَلِ النَّار وَإِنْ عَمِلَ أَيّ عَمَل , فَرَغَ رَبّكُمْ مِنْ الْعِبَاد " ثُمَّ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدَيْهِ فَنَبَذَهُمَا : " فَرَغَ رَبّكُمْ مِنَ الْخَلْق , فَرِيق فِي الْجَنَّة , وَفَرِيق فِي السَّعِير " قَالُوا : سُبْحَان اللَّه , فَلِمَ نَعْمَل وَنَنْصَب ؟ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْعَمَل إِلَى خَوَاتِمه ". 23645 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرو بْن الْحَارِث وَحَيْوَة بْن شُرَيْح , عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي أُسَيْد , أَنَّ أَبَا فِرَاس حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو يَقُول : إِنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره لَمَّا خَلَقَ آدَم نَفَضَهُ نَفْض الْمِزْوَد , فَأَخْرَجَ مِنْهُ كُلّ ذُرِّيَّة , فَخَرَجَ أَمْثَال النَّغَف , فَقَبَضَهُمْ قَبْضَتَيْنِ , ثُمَّ قَالَ : شَقِيّ وَسَعِيد , ثُمَّ أَلْقَاهُمَا , ثُمَّ قَبَضَهُمَا فَقَالَ : { فَرِيق فِي الْجَنَّة وَفَرِيق فِي السَّعِير } . 23646 - قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرو بْن الْحَارِث , عَنْ أَبِي شَبُّويَة , حَدَّثَهُ عَنْ ابْن حُجَيْرَة أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ مُوسَى قَالَ : يَا رَبّ خَلْقك الَّذِينَ خَلَقْتهمْ , جَعَلْت مِنْهُمْ فَرِيقًا فِي الْجَنَّة , وَفَرِيقًا فِي السَّعِير , لَوْ مَا أَدْخَلْتهمْ كُلّهمُ الْجَنَّة قَالَ : يَا مُوسَى ارْفَعْ زَرْعك , فَرَفَعَ , قَالَ : قَدْ رَفَعْت , قَالَ : ارْفَعْ , فَرَفَعَ , فَلَمْ يَتْرُك شَيْئًا , قَالَ : يَا رَبّ قَدْ رَفَعْت , قَالَ : ارْفَعْ , قَالَ : قَدْ رَفَعْت إِلَّا مَا لَا خَيْر فِيهِ , قَالَ : كَذَلِكَ أُدْخِل خَلْقِي كُلّهمُ الْجَنَّة إِلَّا مَا لَا خَيْر فِيهِ , وَقِيلَ : { فَرِيق فِي الْجَنَّة وَفَرِيق فِي السَّعِير } فَرَفَعَ . وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام قَبْل ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : { لِتُنْذِر أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلهَا } بِالنَّصْبِ ; لِأَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الِابْتِدَاء , كَمَا يُقَال : رَأَيْت الْعَسْكَر مَقْتُول أَوْ مُنْهَزِم , بِمَعْنَى : مِنْهُمْ مَقْتُول , وَمِنْهُمْ مُنْهَزِم .
أَيْ وَكَمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْك وَإِلَى مَنْ قَبْلك هَذِهِ الْمَعَانِي فَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْك قُرْآنًا عَرَبِيًّا بَيَّنَّاهُ بِلُغَةِ الْعَرَب . قِيلَ : أَيْ أَنْزَلْنَا عَلَيْك قُرْآنًا عَرَبِيًّا بِلِسَانِ قَوْمك ; كَمَا أَرْسَلْنَا كُلّ رَسُول بِلِسَانِ قَوْمه . وَالْمَعْنَى وَاحِد .

يَعْنِي مَكَّة . قِيلَ لِمَكَّة أُمّ الْقُرَى لِأَنَّ الْأَرْض دُحِيَتْ مِنْ تَحْتهَا .

مِنْ سَائِر الْخَلْق .

أَيْ بِيَوْمِ الْجَمْع , وَهُوَ يَوْم الْقِيَامَة .

لَا شَكَّ فِيهِ .

اِبْتِدَاء وَخَبَر . وَأَجَازَ الْكِسَائِيّ النَّصْب عَلَى تَقْدِير : لِتُنْذِر فَرِيقًا فِي الْجَنَّة وَفَرِيقًا فِي السَّعِير .
مشاركة الموضوع