تفسير السعدي

سورة فصلت الآية ٤٨

وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَدْعُونَ مِن قَبْلُ ۖ وَظَنُّوا۟ مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍۢ ﴿٤٨﴾
وذهب عن هؤلاء المشركين شركاؤهم الذين كانوا يعبدونهم من دون الله, فلم ينفعوهم, وأيقنوا أن لا ملجأ لهم من عذاب الله, ولا محيد عنه.
وذهب عن هؤلاء المشركين شركاؤهم الذين كانوا يعبدونهم من دون الله، فلم ينفعوهم، وأيقنوا أن لا ملجأ لهم من عذاب الله، ولا محيد عنه.
"وضل" غاب "عنهم ما كانوا يدعون" يعبدون "من قبل" في الدنيا من الأصنام "وظنوا" أيقنوا "ما لهم من محيص" مهرب من العذاب والنفي في الموضعين معلق عن العمل وجملة النفي سدت مسد المفعولين
" وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْل " أَيْ ذَهَبُوا فَلَمْ يَنْفَعُوهُمْ " وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيص " أَيْ وَظَنَّ الْمُشْرِكُونَ يَوْم الْقِيَامَة وَهَذَا بِمَعْنَى الْيَقِين " مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيص " أَيْ لَا مَحِيد لَهُمْ عَنْ عَذَاب اللَّه كَقَوْلِهِ تَعَالَى " وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّار فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا" .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْل } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَضَلَّ عَنْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ يَوْم الْقِيَامَة آلِهَتهمْ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا فِي الدُّنْيَا , فَأَخَذَ بِهَا طَرِيق غَيْر طَرِيقهمْ , فَلَمْ تَنْفَعهُمْ , وَلَمْ تَدْفَع عَنْهُمْ شَيْئًا مِنْ عَذَاب اللَّه الَّذِي حَلَّ بِهِمْ .

وَقَوْله : { وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيص } يَقُول : وَأَيْقَنُوا حِينَئِذٍ مَا لَهُمْ مِنْ مَلْجَأ : أَيْ لَيْسَ لَهُمْ مَلْجَأ يَلْجَئُونَ إِلَيْهِ مِنْ عَذَاب اللَّه . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23624 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنِ السُّدِّيّ { وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيص } : اسْتَيْقَنُوا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ مَلْجَأ . وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْله أُبْطِلَ عَمَل الظَّنّ فِي هَذَا الْمَوْضِع , فَقَالَ بَعْض أَهْل الْبَصْرَة فَعَلَ ذَلِكَ , لِأَنَّ مَعْنَى قَوْله : { وَظَنُّوا } : اسْتَيْقَنُوا. قَالَ : و { مَا } هَا هُنَا حَرْف وَلَيْسَ بِاسْمٍ , وَالْفِعْل لَا يَعْمَل فِي مِثْل هَذَا , فَلِذَلِكَ جَعَلَ الْفِعْل مُلْغًى , وَقَالَ بَعْضهمْ : لَيْسَ يَلْغَى الْفِعْل وَهُوَ عَامِل فِي الْمَعْنَى إِلَّا لِعِلَّةٍ . قَالَ : وَالْعِلَّة أَنَّهُ حِكَايَة , فَإِذَا وَقَعَ عَلَى مَا لَمْ يَعْمَل فِيهِ كَانَ حِكَايَة وَتَمَنِّيًا , وَإِذَا عَمِلَ فَهُوَ عَلَى أَصْله .
أَيْ بَطَلَ عَنْهُمْ

فِي الدُّنْيَا

أَيْ أَيْقَنُوا وَعَلِمُوا

أَيْ فِرَار عَنْ النَّار . و " مَا " هُنَا حَرْف وَلَيْسَ بِاسْمٍ ; فَلِذَلِكَ لَمْ يَعْمَل فِيهِ الظَّنّ وَجَعَلَ الْفِعْل مُلْغًى ; تَقْدِيره : وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَا لَهُمْ مَحِيص وَلَا مَهْرَب . يُقَال : حَاصَ يَحِيص . حَيْصًا وَمَحِيصًا إِذَا هَرَبَ . وَقِيلَ : إِنَّ الظَّنّ هُنَا الَّذِي هُوَ أَغْلَب الرَّأْي , لَا يَشُكُّونَ فِي أَنَّهُمْ أَصْحَاب النَّار وَلَكِنْ يَطْمَعُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا . وَلَيْسَ يَبْعُد أَنْ يَكُون لَهُمْ ظَنّ وَرَجَاء إِلَى أَنْ يُؤَيِّسُوا .
مشاركة الموضوع