تفسير السعدي

سورة فصلت الآية ٢٤

فَإِن يَصْبِرُوا۟ فَٱلنَّارُ مَثْوًۭى لَّهُمْ ۖ وَإِن يَسْتَعْتِبُوا۟ فَمَا هُم مِّنَ ٱلْمُعْتَبِينَ ﴿٢٤﴾
فإن يصبروا على العذاب فالنار مأواهم, وإن يسألوا الرجوع إلى الدنيا؟ ليستأنفوا العمل الصالح لا يجابوا إلى ذلك, ولا تقبل لهم أعذار.
فإن يصبروا على العذاب فالنار مأواهم، وإن يسألوا الرجوع إلى الدنيا؛ ليستأنفوا العمل الصالح لا يُجابوا إلى ذلك، ولا تُقبل لهم أعذار.
"فإن يصبروا" على العذاب "فالنار مثوى" مأوى "لهم وإن يستعتبوا" يطلبوا العتبى, أي الرضا "فما هم من المعتبين" المرضيين
أَيْ سَوَاء عَلَيْهِمْ صَبَرُوا أَمْ لَمْ يَصْبِرُوا هُمْ فِي النَّار لَا مَحِيد لَهُمْ عَنْهَا وَلَا خُرُوج لَهُمْ مِنْهَا وَإِنْ طَلَبُوا أَنْ يَسْتَعْتِبُوا وَيُبْدُوا أَعْذَارًا فَمَا لَهُمْ أَعْذَار وَلَا تُقَال لَهُمْ عَثَرَات . قَالَ اِبْن جَرِير : وَمَعْنَى قَوْله تَعَالَى " وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا " أَيْ يَسْأَلُوا الرَّجْعَة إِلَى الدُّنْيَا فَلَا جَوَاب لَهُمْ قَالَ وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْهُمْ " قَالُوا رَبّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ رَبّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ قَالَ اِخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ " .
يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَإِنْ يَصْبِر هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُحْشَرُونَ إِلَى النَّار عَلَى النَّار , فَالنَّار مَسْكَن لَهُمْ وَمَنْزِل .

يَقُول : وَإِنْ يَسْأَلُوا الْعُتْبَى , وَهِيَ الرَّجْعَة لَهُمْ إِلَى الَّذِي يُحِبُّونَ بِتَخْفِيفِ الْعَذَاب عَنْهُمْ .

يَقُول : فَلَيْسُوا بِالْقَوْمِ الَّذِينَ يُرْجَع بِهِمْ إِلَى الْجَنَّة , فَيُخَفَّف عَنْهُمْ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْعَذَاب , وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مُخْبِرًا عَنْهُمْ : { قَالُوا رَبّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا } . .. 23 106 إِلَى قَوْله { وَلَا تُكَلِّمُونِ } 23 108 وَكَقَوْلِهِمْ لِخَزَنَةِ جَهَنَّم : { ادْعُوا رَبّكُمْ يُخَفِّف عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَاب } . .. 40 49 إِلَى قَوْله : { وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَال } .
أَيْ فَإِنْ يَصْبِرُوا فِي الدُّنْيَا عَلَى أَعْمَال أَهْل النَّار فَالنَّار مَثْوًى لَهُمْ . نَظِيره : " فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّار " [ الْبَقَرَة : 175 ] عَلَى مَا تَقَدَّمَ .

فِي الدُّنْيَا وَهُمْ مُقِيمُونَ عَلَى كُفْرهمْ " فَمَا هُمْ مِنْ الْمُعْتَبِينَ " . وَقِيلَ : الْمَعْنَى " فَإِنْ يَصْبِرُوا " فِي النَّار أَوْ يَجْزَعُوا " فَالنَّار مَثْوًى لَهُمْ " أَيْ لَا مَحِيص لَهُمْ عَنْهَا , وَدَلَّ عَلَى الْجَزَع قَوْله : " وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا " لِأَنَّ الْمُسْتَعْتَب جَزِع وَالْمُعْتِب الْمَقْبُول عِتَابه ; قَالَ النَّابِغَة : فَإِنْ أَكُ مَظْلُومًا فَعَبْد ظَلَمْته وَإِنْ تَكُ ذَا عُتْبَى فَمِثْلك يُعْتِب أَيْ مِثْلك مَنْ قَبِلَ الصُّلْح وَالْمُرَاجَعَة إِذَا سُئِلَ . قَالَ الْخَلِيل : الْعِتَاب مُخَاطَبَة الْإِدْلَال وَمُذَاكَرَة الْمُوجَدَة . تَقُول : عَاتَبْته مُعَاتَبَة , وَبَيْنهمْ أُعْتُوبَة يَتَعَاتَبُونَ بِهَا . يُقَال : إِذَا تَعَاتَبُوا أَصْلَحَ مَا بَيْنهمْ الْعِتَاب . وَأَعْتَبَنِي فُلَان : إِذَا عَادَ إِلَى مَسَرَّتِي رَاجِعًا عَنْ الْإِسَاءَة , وَالِاسْم مِنْهُ الْعُتْبَى , وَهُوَ رُجُوع الْمَعْتُوب عَلَيْهِ إِلَى مَا يُرْضِي الْعَاتِب . وَاسْتَعْتَبَ وَأَعْتَبَ بِمَعْنًى , وَاسْتَعْتَبَ أَيْضًا طَلَبَ أَنْ يُعْتَب ; تَقُول : اِسْتَعْتَبْته فَأَعْتَبَنِي أَيْ اِسْتَرْضَيْته فَأَرْضَانِي . فَمَعْنَى " وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا " أَيْ طَلَبُوا الرِّضَا لَمْ يَنْفَعهُمْ ذَلِكَ بَلْ لَا بُدّ لَهُمْ مِنْ النَّار . وَفِي التَّفَاسِير : وَإِنْ يَسْتَقِيلُوا رَبّهمْ فَمَا هُمْ مِنْ الْمُقَالِينَ . وَقَرَأَ عُبَيْد بْن عُمَيْر وَأَبُو الْعَالِيَة " وَإِنْ يُسْتَعْتَبُوا " بِفَتْحِ التَّاء الثَّانِيَة وَضَمّ الْيَاء عَلَى الْفِعْل الْمَجْهُول " فَمَا هُمْ مِنْ الْمُعْتِبِينَ " بِكَسْرِ التَّاء أَيْ إِنْ أَقَالَهُمْ اللَّه وَرَدَّهُمْ إِلَى الدُّنْيَا لَمْ يَعْمَلُوا بِطَاعَتِهِ لِمَا سَبَقَ لَهُمْ فِي عِلْم اللَّه مِنْ الشَّقَاء , قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ " [ الْأَنْعَام : 28 ] ذَكَرَهُ الْهَرَوِيّ . وَقَالَ ثَعْلَب : يُقَال أَعْتَبَ إِذَا غَضِبَ وَأَعْتَبَ إِذَا رَضِيَ .
مشاركة الموضوع