تفسير السعدي

سورة النساء الآية ٥٢

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ ۖ وَمَن يَلْعَنِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ نَصِيرًا ﴿٥٢﴾
" أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ " أي: طردهم عن رحمته, وأحل عليهم نقمته.
" وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا " أي: يتولاه, ويقوم بمصالحه, ويحفظه عن المكاره, هذا غاية الخذلان.
أولئك الذين كَثُرَ فسادهم وعمَّ ضلالهم، طردهم الله تعالى من رحمته، ومَن يطرده الله من رحمته فلن تجد له من ينصره، ويدفع عنه سوء العذاب.
"أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّه وَمَنْ يَلْعَن" ـه "اللَّه فَلَنْ تَجِد لَهُ نَصِيرًا" مَانِعًا مِنْ عَذَابه
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّه وَمَنْ يَلْعَن اللَّه فَلَنْ تَجِد لَهُ نَصِيرًا } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : أُولَئِكَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتهمْ أَنَّهُمْ أُوتُوا نَصِيبًا مِنْ الْكِتَاب وَهُمْ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوت , هُمْ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّه , يَقُول : أَخْزَاهُمْ اللَّه فَأَبْعَدَهُمْ مِنْ رَحْمَته بِإِيمَانِهِمْ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوت وَكُفْرهمْ بِاَللَّهِ وَرَسُوله , عِنَادًا مِنْهُمْ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ , وَبِقَوْلِهِمْ : { لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا } { وَمَنْ يَلْعَن اللَّه } يَقُول : وَمَنْ يُخْزِهِ اللَّه فَيُبْعِدهُ مِنْ رَحْمَته , { فَلَنْ تَجِد لَهُ نَصِيرًا } يَقُول : فَلَنْ تَجِد لَهُ يَا مُحَمَّد نَاصِرًا يَنْصُرهُ مِنْ عُقُوبَة اللَّه وَلَعْنَته الَّتِي تَحِلّ بِهِ فَيَدْفَع ذَلِكَ عَنْهُ ; كَمَا : 7743 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : قَالَ كَعْب بْن الْأَشْرَف وَحُيَيّ بْن أَخْطَب مَا قَالَا , يَعْنِي مِنْ قَوْلهمَا : " هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا " , وَهُمَا يَعْلَمَانِ أَنَّهُمَا كَاذِبَانِ , فَأَنْزَلَ اللَّه : { أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّه وَمَنْ يَلْعَن اللَّه فَلَنْ تَجِد لَهُ نَصِيرًا }
بَيَّنَ أَنَّ السَّبَب فِي نُفُورهمْ عَنْ الْإِيمَان إِنَّمَا هُوَ أَنَّهُمْ لُعِنُوا بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ كُفْرهمْ وَاجْتِرَائِهِمْ ; وَهَذَا هُوَ الْجَزَاء عَلَى الذَّنْب بِأَعْظَم مِنْهُ . وَأَصْل اللَّعْن فِي كَلَام الْعَرَب الطَّرْد وَالْإِبْعَاد . وَيُقَال لِلذِّئْبِ : لَعِين . وَلِلرَّجُلِ الطَّرِيد : لَعِين ; وَقَالَ الشَّمَّاخ : ذَعَرْت بِهِ الْقَطَا وَنَفَيْت عَنْهُ مَقَامَ الذِّئْبِ كَالرَّجُلِ اللَّعِينِ وَوَجْه الْكَلَام : مَقَام الذِّئْب اللَّعِين كَالرَّجُلِ ; فَالْمَعْنَى أَبْعَدَهُمْ اللَّه مِنْ رَحْمَته . وَقِيلَ : مِنْ تَوْفِيقِهِ وَهِدَايَته . وَقِيلَ : مِنْ كُلّ خَيْر ;
مشاركة الموضوع