الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُون لِلنَّاسِ عَلَى اللَّه حُجَّة بَعْد الرُّسُل } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ : { إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْك كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوح وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْده } وَمَنْ ذُكِرَ مِنْ الرُّسُل { رُسُلًا } فَنَصَبَ بِهِ الرُّسُل عَلَى الْقَطْع مِنْ أَسْمَاء الْأَنْبِيَاء الَّذِينَ ذَكَرَ أَسْمَاءَهُمْ . { مُبَشِّرِينَ } يَقُول : أَرْسَلْتهمْ رُسُلًا إِلَى خَلْقِي وَعِبَادِي مُبَشِّرِينَ بِثَوَابِي مَنْ أَطَاعَنِي وَاتَّبَعَ أَمْرِي وَصَدَّقَ رُسُلِي , { وَمُنْذِرِينَ } عِقَابِي مَنْ عَصَانِي وَخَالَفَ أَمْرِي وَكَذَّبَ رُسُلِي . { لِئَلَّا يَكُون لِلنَّاسِ عَلَى اللَّه حُجَّة بَعْد الرُّسُل } يَقُول : أَرْسَلْت رُسُلِي إِلَى عِبَادِي مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ , لِئَلَّا يَحْتَجّ مَنْ كَفَرَ بِي وَعَبَدَ الْأَنْدَاد مِنْ دُونِي , أَوْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِي بِأَنْ يَقُول إِنْ أَرَدْت عِقَابه : { لَوْلَا أَرْسَلْت إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِع آيَاتك مِنْ قَبْل أَنْ نَذِلّ وَنَخْزَى } 20 134 فَقَطَعَ حُجَّة كُلّ مُبْطِل أَلْحَدَ فِي تَوْحِيده وَخَالَفَ أَمْره بِجَمِيعِ مَعَانِي الْحُجَج الْقَاطِعَة عُذْره , إِعْذَارًا مِنْهُ بِذَلِكَ إِلَيْهِمْ , لِتَكُونَ لِلَّهِ الْحُجَّة الْبَالِغَة عَلَيْهِمْ وَعَلَى جَمِيع خَلْقه . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8528 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { لِئَلَّا يَكُون لِلنَّاسِ عَلَى اللَّه حُجَّة بَعْد الرُّسُل } فَيَقُولُوا : مَا أَرْسَلْت إِلَيْنَا رُسُلًا.
{ وَكَانَ اللَّه عَزِيزًا حَكِيمًا } يَقُول : وَلَمْ يَزَلْ اللَّه ذَا عِزَّة فِي اِنْتِقَامه مِمَّنْ اِنْتَقَمَ مِنْ خَلْقه عَلَى كُفْره بِهِ وَمَعْصِيَته إِيَّاهُ بَعْد تَثْبِيته حُجَّته عَلَيْهِ بِرُسُلِهِ وَأَدِلَّته , حَكِيمًا فِي تَدْبِيره فِيهِمْ مَا دَبَّرَهُ .