تفسير السعدي

سورة الصافات الآية ٦٤

إِنَّهَا شَجَرَةٌۭ تَخْرُجُ فِىٓ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ ﴿٦٤﴾
إنها شجرة تنبت في قعر جهنم,
إنها شجرة تنبت في قعر جهنم، ثمرها قبيح المنظر كأنه رؤوس الشياطين، فإذا كانت كذلك فلا تَسْألْ بعد هذا عن طعمها، فإن المشركين لآكلون من تلك الشجرة فمالئون منها بطونهم. ثم إنهم بعد الأكل منها لشاربون شرابًا خليطًا قبيحًا حارًّا، ثم إن مردَّهم بعد هذا العذاب إلى عذاب النار.
"إنَّهَا شَجَرَة تَخْرُج فِي أَصْل الْجَحِيم" أَيْ قَعْر جَهَنَّم وَأَغْصَانهَا تَرْتَفِع إلَى دَرَكَاتهَا
قَوْله تَعَالَى " إِنَّهَا شَجَرَة تَخْرُج فِي أَصْل الْجَحِيم " أَيْ أَصْل مَنْبَتهَا فِي قَرَار النَّار طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوس الشَّيَاطِين تَبْشِيع لَهَا وَتَكْرِيهٌ لِذِكْرِهَا . قَالَ وَهْب بْن مُنَبِّه شُعُور الشَّيَاطِين قَائِمَة إِلَى السَّمَاء وَإِنَّمَا شَبَّهَهَا بِرُءُوس الشَّيَاطِين وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَعْرُوفَة عِنْد الْمُخَاطَبِينَ لِأَنَّهُ قَدْ اِسْتَقَرَّ فِي النُّفُوس أَنَّ الشَّيَاطِين قَبِيحَة الْمَنْظَر وَقِيلَ الْمُرَاد بِذَلِكَ ضَرْب مِنْ الْحَيَّات رُءُوسُهَا بَشِعَة الْمَنْظَر وَقِيلَ جِنْس مِنْ النَّبَات طَلْعُهُ فِي غَايَة الْفَحَاشَة وَفِي هَذَيْنِ الِاحْتِمَالَيْنِ نَظَر وَقَدْ ذَكَرَهُمَا اِبْن جَرِير وَالْأَوَّل أَقْوَى وَأَوْلَى وَاَللَّه أَعْلَم .
يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَهَذَا الَّذِي أَعْطَيْت هَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ وَصَفْت صِفَتهمْ مِنْ كَرَامَتِي فِي الْجَنَّة , وَرَزَقْتهمْ فِيهَا مِنْ النَّعِيم خَيْر , أَوْ مَا أَعْدَدْت لِأَهْلِ النَّار مِنْ الزَّقُّوم . وَعُنِيَ بِالنُّزُلِ : الْفَضْل , وَفِيهِ لُغَتَانِ : نُزُل وَنُزْل ; يُقَال لِلطَّعَامِ الَّذِي لَهُ رِيع : هُوَ طَعَام لَهُ نُزْل وَنُزُل . وَقَوْله : { أَمْ شَجَرَة الزَّقُّوم } ذُكِرَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى لَمَّا أَنْزَلَ هَذِهِ الْآيَة قَالَ الْمُشْرِكُونَ : كَيْفَ يَنْبُت الشَّجَر فِي النَّار , وَالنَّار تُحْرِق الشَّجَر ؟ فَقَالَ اللَّه : { إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَة لِلظَّالِمِينَ } يَعْنِي لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَالُوا فِي ذَلِكَ مَا قَالُوا , ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ بِصِفَةِ هَذِهِ الشَّجَرَة فَقَالَ { إِنَّهَا شَجَرَة تَخْرُج فِي أَصْل الْجَحِيم } وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 22536 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { أَذَلِكَ خَيْر نُزُلًا أَمْ شَجَرَة الزَّقُّوم } حَتَّى بَلَغَ { فِي أَصْل الْجَحِيم } قَالَ : لَمَّا ذُكِرَ شَجَرَة الزَّقُّوم اُفْتُتِنَ الظَّلَمَة , فَقَالُوا : يُنَبِّئكُمْ صَاحِبكُمْ هَذَا أَنَّ فِي النَّار شَجَرَة , وَالنَّار تَأْكُل الشَّجَر , فَأَنْزَلَ اللَّه مَا تَسْمَعُونَ : إِنَّهَا شَجَرَة تَخْرُج فِي أَصْل الْجَحِيم , غُذِّيَتْ بِالنَّارِ وَمِنْهَا خُلِقَتْ . 22537 -حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : قَالَ أَبُو جَهْل : لَمَّا نَزَلَتْ { إِنَّ شَجَرَة الزَّقُّوم } قَالَ : تَعْرِفُونَهَا فِي كَلَام الْعَرَب : أَنَا آتِيكُمْ بِهَا , فَدَعَا جَارِيَة فَقَالَ : اِئْتِينِي بِتَمْرٍ وَزُبْد , فَقَالَ : دُونكُمْ تَزَقَّمُوا , فَهَذَا الزَّقُّوم الَّذِي يُخَوِّفكُمْ بِهِ مُحَمَّد , فَأَنْزَلَ اللَّه تَفْسِيرهَا : { أَذَلِك خَيْر نُزُلًا أَمْ شَجَرَة الزَّقُّوم إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَة لِلظَّالِمِينَ } قَالَ : لِأَبِي جَهْل وَأَصْحَابه . 22538 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قُلْ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَة لِلظَّالِمِينَ } قَالَ : قَوْل أَبِي جَهْل : إِنَّمَا الزَّقُّوم التَّمْر وَالزُّبْد أَتَزَقَّمه.
أَيْ قَعْر النَّار وَمِنْهَا مَنْشَؤُهَا ثُمَّ هِيَ مُتَفَرِّعَة فِي جَهَنَّم .
مشاركة الموضوع