تفسير السعدي

سورة سبأ الآية ٤٥

وَكَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا۟ مِعْشَارَ مَآ ءَاتَيْنَٰهُمْ فَكَذَّبُوا۟ رُسُلِى ۖ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ﴿٤٥﴾
وكذب الذين من قبلهم كعاد وثمود رسلنا, وما بلغ أهل (مكة) عشر ما آتينا الأمم السابقة من القوة, وكثرة المال, وطول العمر وغير ذلك من النعم, فكذبوا رسلي فيما جاؤوهم به فأهلكناهم, فانظر -يا محمد- كيف كان إنكاري عليهم وعقوبتي إياهم؟
وكذَّب الذين من قبلهم كعاد وثمود رسلنا، وما بلغ أهل "مكة" عُشرَ ما آتينا الأمم السابقة من القوة، وكثرة المال، وطول العمر وغير ذلك من النعم، فكذبوا رسلي فيما جاؤوهم به فأهلكناهم، فانظر -أيها الرسول- كيف كان إنكاري عليهم وعقوبتي إياهم؟
"وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ وَمَا بَلَغُوا" أَيْ هَؤُلَاءِ "مِعْشَار مَا آتَيْنَاهُمْ" مِنْ الْقُوَّة وَطُول الْعُمُر وَكَثْرَة الْمَال "فَكَذَّبُوا رُسُلِي" إلَيْهِمْ "فَكَيْفَ كَانَ نَكِير" إنْكَارِي عَلَيْهِمْ الْعُقُوبَة وَالْإِهْلَاك أَيْ هُوَ وَاقِع مَوْقِعه
قَالَ تَعَالَى " وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ " أَيْ مِنْ الْأُمَم " وَمَا بَلَغُوا مِعْشَار مَا آتَيْنَاهُمْ " قَالَ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا أَيْ مِنْ الْقُوَّة فِي الدُّنْيَا وَكَذَا قَالَ قَتَادَة وَالسُّدِّيّ وَابْن زَيْد كَمَا قَالَ تَعَالَى " وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَة فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعهمْ وَلَا أَبْصَارهمْ وَلَا أَفْئِدَتهمْ مِنْ شَيْء إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّه وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْض فَيَنْظُرُوا كَيْف كَانَ عَاقِبَة الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ كَانُوا أَكْثَر مِنْهُمْ وَأَشَدّ قُوَّة " أَيْ وَمَا دَفَعَ ذَلِكَ عَنْهُمْ عَذَاب اللَّه وَلَا رَدَّهُ بَلْ دَمَّرَ اللَّه عَلَيْهِمْ لَمَّا كَذَّبُوا رُسُله وَلِهَذَا قَالَ " فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْف كَانَ نَكِير " أَيْ فَكَيْف كَانَ عِقَابِي وَنَكَالِي وَانْتِصَارِي لِرُسُلِي .
وَقَوْله : { وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ } يَقُول : وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ مِنَ الْأُمَم رُسُلنَا وَتَنْزِيلنَا

{ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ } يَقُول : وَلَمْ يَبْلُغ قَوْمك يَا مُحَمَّد عُشْر مَا أَعْطَيْنَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ مِنَ الْأُمَم مِنَ الْقُوَّة وَالْأَيْدِي وَالْبَطْش , وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ النِّعَم . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 22068 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ } مِنَ الْقُوَّة فِي الدُّنْيَا. 22069 حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله { وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ } يَقُول : مَا جَاوَزُوا مِعْشَارَ مَا أَنْعَمْنَا عَلَيْهِمْ . 22070 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ } يُخْبِركُمْ أَنَّهُ أَعْطَى الْقَوْمَ مَا لَمْ يُعْطِكُمْ مِنَ الْقُوَّة وَغَيْر ذَلِكَ . 22071 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ } قَالَ : مَا بَلَغَ هَؤُلَاءِ أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِعْشَار مَا آتَيْنَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ , وَمَا أَعْطَيْنَاهُمْ مِنْ الدُّنْيَا , وَبَسَطْنَا عَلَيْهِمْ { فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِير } يَقُول : فَكَذَّبُوا رُسُلِي فِيمَا أَتَوْهُمْ بِهِ مِنْ رِسَالَتِي , فَعَاقَبْنَاهُمْ بِتَغْيِيرِنَا بِهِمْ مَا كُنَّا آتَيْنَاهُمْ مِنْ النِّعَم , فَانْظُرْ يَا مُحَمَّد كَيْفَ كَانَ نَكِير . يَقُول : كَيْفَ كَانَ تَغْيِيرِي بِهِمْ وَعُقُوبَتِي .
أَيْ كَذَّبَ قَبْلهمْ أَقْوَام كَانُوا أَشَدَّ مِنْ هَؤُلَاءِ بَطْشًا وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَأَوْسَع عَيْشًا , فَأَهْلَكْتهمْ كَثَمُودَ وَعَاد .

أَيْ مَا بَلَغَ أَهْل مَكَّة

تِلْكَ الْأُمَم . وَالْمِعْشَار وَالْعُشْر سَوَاء , لُغَتَانِ . وَقِيلَ : الْمِعْشَار عُشْر الْعُشْر . الْجَوْهَرِيّ : وَمِعْشَار الشَّيْء عُشْره , وَلَا يَقُولُونَ هَذَا فِي شَيْء سِوَى الْعُشْر . وَقَالَ : مَا بَلَغَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ مِعْشَار شُكْر مَا أَعْطَيْنَاهُمْ ; حَكَاهُ النَّقَّاش . وَقِيلَ : مَا أَعْطَى اللَّه تَعَالَى مِنْ قَبْلهمْ مِعْشَار مَا أَعْطَاهُمْ مِنْ الْعِلْم وَالْبَيَان وَالْحُجَّة وَالْبُرْهَان . قَالَ اِبْن عَبَّاس : فَلَيْسَ أُمَّة أَعْلَمَ مِنْ أُمَّة , وَلَا كِتَاب أَبْيَنَ مِنْ كِتَابه . وَقِيلَ : الْمِعْشَار هُوَ عُشْر الْعَشِير , وَالْعَشِير هُوَ عُشْر الْعُشْر فَيَكُون جُزْءًا مِنْ أَلْف جُزْء . الْمَاوَرْدِيّ : وَهُوَ الْأَظْهَرُ , لِأَنَّ الْمُرَاد بِهِ الْمُبَالَغَة فِي التَّقْلِيل .

أَيْ عِقَابِي فِي الْأُمَم , وَفِيهِ مَحْذُوف وَتَقْدِيره : فَأَهْلَكْنَاهُمْ فَكَيْف كَانَ نَكِيرِي .
مشاركة الموضوع