تفسير السعدي

سورة آل عمران الآية ٣٤

ذُرِّيَّةًۢ بَعْضُهَا مِنۢ بَعْضٍۢ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿٣٤﴾
فلما قرر عظمة هذه البيوت, ذكر قصة مريم وابنها عيسى صلى الله عليه وسلم, وكيف تسلسلا من هذه البيوت الفاضلة, وكيف تنقلت بهما الأحوال, من ابتداء أمرهما إلى آخره, وأن امرأة عمران قالت - متضرعة إلى ربها, متقربة إليه بهذه القربة التي يحبها, التي فيها تعظيم بيته وملازمة طاعته: " إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا " أي: خادما لبيت العبادة, المشحون بالمتعبدين.
" فَتَقَبَّلْ مِنِّي " هذا العمل أي: اجعله مؤسسا على الإيمان والإخلاص, مثمرا للخير والثواب.
" إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى " كان في هذا الكلام, نوع تضرع منها, وانكسار نفس حيث كان نذرها بناء على أنه يكون ذكرا, يحصل منه من القوة والخدمة والقيام بذلك, ما يحصل من أهل القوة, والأنثى بخلاف ذلك.
هؤلاء الأنبياء والرسل سلسلة طُهْر متواصلة في الإخلاص لله وتوحيده والعمل بوحيه. والله سميع لأقوال عباده، عليم بأفعالهم، وسيجازيهم على ذلك.
"ذُرِّيَّة بَعْضهَا مِنْ" وَلَد "بَعْض" مِنْهُمْ
قَالَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق بْن يَسَار رَحِمَهُ اللَّه : هُوَ عِمْرَان بْن ياشم بْن ميشا بْن حزقيا بْن إِبْرَاهِيم بْن غرايا اِبْن ناوش بْن أجر بْن بهوا بْن نازم بْن مقاسط بْن إيشا بْن إياذ بْن رخيعم بْن سُلَيْمَان بْن دَاوُدَ عَلَيْهِمَا السَّلَام فَعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام مِنْ ذُرِّيَّة إِبْرَاهِيم كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه فِي سُورَة الْأَنْعَام إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى وَبِهِ الثِّقَة .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ذُرِّيَّة بَعْضُهَا مِنْ بَعْض } يَعْنِي بِذَلِكَ : أَنَّ اللَّه اِصْطَفَى آل إِبْرَاهِيم وَآل عِمْرَان { ذُرِّيَّة بَعْضهَا مِنْ بَعْض } فَالذُّرِّيَّة مَنْصُوبَة عَلَى الْقَطْع مِنْ آل إِبْرَاهِيم وَآل عِمْرَان : لِأَنَّ " الذُّرِّيَّة " نَكِرَة , وَ " آل عِمْرَان " مَعْرِفَة , وَلَوْ قِيلَ نُصِبَتْ عَلَى تَكْرِير الِاصْطِفَاء لَكَانَ صَوَابًا , لِأَنَّ الْمَعْنَى : اِصْطَفَى ذُرِّيَّة بَعْضهَا مِنْ بَعْض . وَإِنَّمَا جُعِلَ " بَعْضهمْ مِنْ بَعْض " فِي الْمُوَالَاة فِي الدِّين وَالْمُوَازَرَة عَلَى الْإِسْلَام وَالْحَقّ , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : {

وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَات بَعْضهمْ أَوْلِيَاء بَعْض } 9 71 وَقَالَ فِي مَوْضِع آخَر : { الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَات بَعْضهمْ مِنْ بَعْض } 9 67 يَعْنِي أَنَّ دِينهمْ وَاحِد وَطَرِيقَتهمْ وَاحِدَة , فَكَذَلِكَ قَوْله : { ذُرِّيَّة بَعْضهَا مِنْ بَعْض } إِنَّمَا مَعْنَاهُ : ذُرِّيَّة دِين بَعْضهَا دِين بَعْض , وَكَلِمَتهمْ وَاحِدَة , وَمِلَّتهمْ وَاحِدَة فِي تَوْحِيد اللَّه وَطَاعَته . كَمَا : 5393 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { ذُرِّيَّة بَعْضهَا مِنْ بَعْض } يَقُول : فِي النِّيَّة وَالْعَمَل وَالْإِخْلَاص وَالتَّوْحِيد لَهُ .

وَقَوْله : { وَاَللَّه سَمِيع عَلِيم } يَعْنِي بِذَلِكَ : وَاَللَّه ذُو مَسْمَع لِقَوْلِ اِمْرَأَة عِمْرَان , وَذُو عِلْم بِمَا تُضْمِرهُ فِي نَفْسهَا , إِذْ نَذَرْت لَهُ مَا فِي بَطْنهَا مُحَرَّرًا .
تَقَدَّمَ فِي الْبَقَرَة مَعْنَى الذُّرِّيَّة وَاشْتِقَاقهَا . وَهِيَ نَصْب عَلَى الْحَال ; قَالَ الْأَخْفَش . أَيْ فِي حَال كَوْن بَعْضهمْ مِنْ بَعْض , أَيْ ذُرِّيَّة بَعْضهَا مِنْ وَلَد بَعْض . الْكُوفِيُّونَ : عَلَى الْقَطْع . الزَّجَّاج : بَدَل , أَيْ اِصْطَفَى ذُرِّيَّة بَعْضهَا مِنْ بَعْض , وَمَعْنَى بَعْضهَا مِنْ بَعْض , يَعْنِي فِي التَّنَاصُر فِي الدِّين ; كَمَا قَالَ : " الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَات بَعْضهمْ مِنْ بَعْض " [ التَّوْبَة : 67 ] يَعْنِي فِي الضَّلَالَة ; قَالَهُ الْحَسَن وقَتَادَة . وَقِيلَ : فِي الِاجْتِبَاء وَالِاصْطِفَاء وَالنُّبُوَّة . وَقِيلَ : الْمُرَاد بِهِ التَّنَاسُل , وَهَذَا أَضْعَفهَا .
مشاركة الموضوع