تفسير السعدي

سورة آل عمران الآية ١٧١

۞ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍۢ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴿١٧١﴾
" يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ " أي: يهنئ بعضهم بعضا, بأعظم مهنأ به, وهو: نعمة ربهم, وفضله, وإحسانه.
" وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ " بل ينميه ويشكره, ويزيده من فضله, ما لا يصل إليه سعيهم.
وفي هذه الآيات, إثبات نعيم البرزخ, وأن الشهداء, في أعلى مكان عند ربهم.
وفيه تلاقى أرواح أهل الخير, وزيارة بعضهم بعضا, وتبشير بعضهم بعضا.
وإنهم في فرحة غامرة بما أُعطوا من نعم الله وجزيل عطائه، وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين به، بل ينمِّيه ويزيده من فضله.
"يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ" ثَوَاب "مِنْ اللَّه وَفَضْل" زِيَادَة عَلَيْهِ "وَأَنَّ" بِالْفَتْحِ عَطْفًا عَلَى نِعْمَة وَبِالْكَسْرِ اسْتِئْنَافًا "اللَّه لَا يُضِيع أَجْر الْمُؤْمِنِينَ" بَلْ يَأْجُرهُمْ
قَالَ تَعَالَى " يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةِ مِنْ اللَّه وَفَضْل وَأَنَّ اللَّه لَا يُضِيع أَجْر الْمُؤْمِنِينَ " قَالَ مُحَمَّد بْن إِسْحَق : اِسْتَبْشَرُوا أَيْ سُرُّوا لِمَا عَايَنُوا مِنْ وَفَاء الْمَوْعُود وَجَزِيل الثَّوَاب . وَقَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد بْن أَسْلَم : هَذِهِ الْآيَات جَمَعَتْ الْمُؤْمِنِينَ كُلّهمْ سَوَاء الشُّهَدَاء وَغَيْرهمْ وَقَلَّمَا ذَكَرَ اللَّه فَضْلًا ذَكَرَ بِهِ الْأَنْبِيَاء وَثَوَابًا أَعْطَاهُمْ اللَّه إِيَّاهُ إِلَّا ذَكَرَ اللَّه مَا أَعْطَى الْمُؤْمِنِينَ مِنْ بَعْدهمْ .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّه وَفَضْل وَأَنَّ اللَّه لَا يُضِيع أَجْر الْمُؤْمِنِينَ } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { يَسْتَبْشِرُونَ } يَفْرَحُونَ , { بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّه } يَعْنِي بِمَا حَبَاهُمْ بِهِ تَعَالَى ذِكْره مِنْ عَظِيم كَرَامَته عِنْد وُرُودهمْ عَلَيْهِ , { وَفَضْل } يَقُول : وَبِمَا أَسْبَغَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْفَضْل وَجَزِيل الثَّوَاب عَلَى مَا سَلَفَ مِنْهُمْ مِنْ طَاعَة اللَّه وَرَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجِهَاد أَعْدَائِهِ . { وَأَنَّ اللَّه لَا يُضِيع أَجْر الْمُؤْمِنِينَ } . كَمَا : 6555 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ أَبِي إِسْحَاق : { يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّه وَفَضْل } . . الْآيَة , لِمَا عَايَنُوا مِنْ وَفَاء الْمَوْعُود وَعَظِيم الثَّوَاب . وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله { وَأَنَّ اللَّه لَا يُضِيع أَجْر الْمُؤْمِنِينَ } , فَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضهمْ بِفَتْحِ الْأَلِف مِنْ " أَنَّ " بِمَعْنَى يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّه وَفَضْل , وَبِأَنَّ اللَّه لَا يُضِيع أَجْر الْمُؤْمِنِينَ . وَبِكَسْرِ الْأَلِف عَلَى الِاسْتِئْنَاف ; وَاحْتَجَّ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ بِأَنَّهَا فِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه : " وَفَضْل وَاَللَّه لَا يُضِيع أَجْر الْمُؤْمِنِينَ " قَالُوا : فَذَلِكَ دَلِيل عَلَى أَنَّ قَوْله : " وَإِنَّ اللَّه " مُسْتَأْنَف غَيْر مُتَّصِل بِالْأَوَّلِ . وَمَعْنَى قَوْله : { لَا يُضِيع أَجْر الْمُؤْمِنِينَ } لَا يُبْطِل جَزَاء أَعْمَال مَنْ صَدَّقَ رَسُوله وَاتَّبَعَهُ وَعَمِلَ بِمَا جَاءَهُ مِنْ عِنْد اللَّه . وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ : { وَأَنَّ اللَّه } بِفَتْحِ الْأَلِف , لِإِجْمَاع الْحُجَّة مِنْ الْقُرَّاء عَلَى ذَلِكَ .
أَيْ بِجَنَّةٍ مِنْ اللَّه . وَيُقَال : بِمَغْفِرَةٍ مِنْ اللَّه .



هَذَا لِزِيَادَةِ الْبَيَان . وَالْفَضْل دَاخِل فِي النِّعْمَة , وَفِيهِ دَلِيل عَلَى اِتِّسَاعهَا , وَأَنَّهَا لَيْسَتْ كَنِعَمِ الدُّنْيَا . وَقِيلَ : جَاءَ الْفَضْل بَعْد النِّعْمَة عَلَى وَجْه التَّأْكِيد ; رَوَى التِّرْمِذِيّ عَنْ الْمِقْدَام بْن مَعْدِي كَرِبَ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لِلشَّهِيدِ عِنْد اللَّه سِتّ خِصَال - كَذَا فِي التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَهْ " سِتّ " , وَهِيَ فِي الْعَدَد سَبْع - يُغْفَر لَهُ فِي أَوَّل دَفْعَة وَيَرَى مَقْعَده مِنْ الْجَنَّة وَيُجَار مِنْ عَذَاب الْقَبْر وَيَأْمَن مِنْ الْفَزَع الْأَكْبَر وَيُوضَع عَلَى رَأْسه تَاج الْوَقَار الْيَاقُوتَة مِنْهَا خَيْر مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَيُزَوَّج اِثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَة مِنْ الْحُور الْعِين وَيُشَفَّع فِي سَبْعِينَ مِنْ أَقَارِبه ) قَالَ : هَذَا حَدِيث حَسَن صَحِيح غَرِيب . وَهَذَا تَفْسِير لِلنِّعْمَةِ وَالْفَضْل . وَالْآثَار فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَة . وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِد أَنَّهُ قَالَ : السُّيُوف مَفَاتِيح الْجَنَّة . وَرُوِيَ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( أَكْرَم اللَّه تَعَالَى الشُّهَدَاء بِخَمْسِ كَرَامَات لَمْ يُكْرِمْ بِهَا أَحَدًا مِنْ الْأَنْبِيَاء وَلَا أَنَا أَحَدهَا أَنَّ جَمِيع الْأَنْبِيَاء قَبَضَ أَرْوَاحهمْ مَلَك الْمَوْت وَهُوَ الَّذِي سَيَقْبِضُ رُوحِي وَأَمَّا الشُّهَدَاء فَاَللَّه هُوَ الَّذِي يَقْبِض أَرْوَاحهمْ بِقُدْرَتِهِ كَيْفَ يَشَاء وَلَا يُسَلِّط عَلَى أَرْوَاحهمْ مَلَك الْمَوْت , وَالثَّانِي أَنَّ جَمِيع الْأَنْبِيَاء قَدْ غُسِّلُوا بَعْد الْمَوْت وَأَنَا أُغَسَّل بَعْد الْمَوْت وَالشُّهَدَاء لَا يُغَسَّلُونَ وَلَا حَاجَة لَهُمْ إِلَى مَاء الدُّنْيَا , وَالثَّالِث أَنَّ جَمِيع الْأَنْبِيَاء قَدْ كُفِّنُوا وَأَنَا أُكَفَّن وَالشُّهَدَاء لَا يُكَفَّنُونَ بَلْ يُدْفَنُونَ فِي ثِيَابهمْ , وَالرَّابِع أَنَّ الْأَنْبِيَاء لَمَّا مَاتُوا سُمُّوا أَمْوَاتًا وَإِذَا مُتّ يُقَال قَدْ مَاتَ وَالشُّهَدَاء لَا يُسَمَّوْنَ مَوْتَى , وَالْخَامِس أَنَّ الْأَنْبِيَاء تُعْطَى لَهُمْ الشَّفَاعَة يَوْم الْقِيَامَة وَشَفَاعَتِي أَيْضًا يَوْم الْقِيَامَة وَأَمَّا الشُّهَدَاء فَإِنَّهُمْ يَشْفَعُونَ فِي كُلّ يَوْم فِيمَنْ يَشْفَعُونَ ) .



قَرَأَهُ الْكِسَائِيّ بِكَسْرِ الْأَلِف , وَالْبَاقُونَ بِالنَّصْبِ ; فَمَنْ قَرَأَ بِالنَّصْبِ فَمَعْنَاهُ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةِ مِنْ اللَّه وَيَسْتَبْشِرُونَ بِأَنَّ اللَّه لَا يُضِيع أَجْر الْمُؤْمِنِينَ . وَمَنْ قَرَأَ بِالْكَسْرِ فَعَلَى الِابْتِدَاء . وَدَلِيله قِرَاءَة اِبْن مَسْعُود " وَاَللَّه لَا يُضِيع أَجْر الْمُؤْمِنِينَ " .
مشاركة الموضوع