الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَة } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بِاَللَّهِ وَرَسُوله , لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا فِي إِسْلَامكُمْ , بَعْد إِذْ هَدَاكُمْ لَهُ , كَمَا كُنْتُمْ تَأْكُلُونَهُ فِي جَاهِلِيَّتكُمْ . وَكَانَ أَكْلهمْ ذَلِكَ فِي جَاهِلِيَّتهمْ أَنَّ الرَّجُل مِنْهُمْ كَانَ يَكُون لَهُ عَلَى الرَّجُل مَال إِلَى أَجَل , فَإِذَا حَلَّ الْأَجَل طَلَبَهُ مِنْ صَاحِبه , فَيَقُول لَهُ الَّذِي عَلَيْهِ الْمَال : أَخِّرْ عَنِّي دَيْنك , وَأَزِيدك عَلَى مَالِك ! فَيَفْعَلَانِ ذَلِكَ , فَذَلِكَ هُوَ الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَة , فَنَهَاهُمْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِي إِسْلَامهمْ عَنْهُ . كَمَا : 6203 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سِنَان , قَالَ : ثنا مُؤَمَّل , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عَطَاء , قَالَ : كَانَتْ ثَقِيف تُدَايِن فِي بَنِي الْمُغِيرَة فِي الْجَاهِلِيَّة , فَإِذَا حَلَّ الْأَجَل , قَالُوا : نَزِيدكُمْ وَتُؤَخِّرُونَ ! فَنَزَلَتْ : { لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَة } 6204 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , قَالَ : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَة } أَيْ لَا تَأْكُلُوا فِي الْإِسْلَام إِذْ هَدَاكُمْ لَهُ , مَا كُنْتُمْ تَأْكُلُونَ إِذْ أَنْتُمْ عَلَى غَيْره مِمَّا لَا يَحِلّ لَكُمْ فِي دِينكُمْ . 6205 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَة } قَالَ : رِبَا الْجَاهِلِيَّة . 6206 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ سَمِعْت اِبْن زَيْد يَقُول فِي قَوْله : { لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَة } قَالَ : كَانَ أَبِي يَقُول : إِنَّمَا كَانَ الرَّبَّا فِي الْجَاهِلِيَّة فِي التَّضْعِيف وَفِي السِّنّ , يَكُون لِلرَّجُلِ فَضْل دَيْن , فَيَأْتِيه إِذَا حَلَّ الْأَجَل , فَيَقُول لَهُ : تَقْضِينِي أَوْ تَزِيدنِي ؟ فَإِنْ كَانَ عِنْده شَيْء يَقْضِيه قَضَى , وَإِلَّا حَوَّلَهُ إِلَى السِّنّ الَّتِي فَوْق ذَلِكَ , إِنْ كَانَتْ اِبْنَة مَخَاض يَجْعَلهَا اِبْنَة لَبُون فِي السَّنَة الثَّانِيَة , ثُمَّ حِقَّة , ثُمَّ جَذَعَة ثُمَّ رَبَاعِيًا , ثُمَّ هَكَذَا إِلَى فَوْق . وَفِي الْعَيْن يَأْتِيه , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْده أَضْعَفه فِي الْعَام الْقَابِل , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْده أَضْعَفه أَيْضًا , فَتَكُون مِائَة فَيَجْعَلهَا إِلَى قَابِل مِائَتَيْنِ , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْده جَعَلَهَا أَرْبَعمِائَةٍ , يُضَعِّفهَا لَهُ كُلّ سَنَة , أَوْ يَقْضِيه . قَالَ : فَهَذَا قَوْله : { لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَة } .
وَأَمَّا قَوْله : { وَاتَّقُوا اللَّه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَاتَّقُوا اللَّه أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ فِي أَمْر الرِّبَا فَلَا تَأْكُلُوهُ , وَفِي غَيْره مِمَّا أَمَرَكُمْ بِهِ , أَوْ نَهَاكُمْ عَنْهُ , وَأَطِيعُوهُ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ , يَقُول : لِتَنْجَحُوا فَتَنْجُوا مِنْ عِقَابه , وَتُدْرِكُوا مَا رَغَّبَكُمْ فِيهِ مِنْ ثَوَابه , وَالْخُلُود فِي جِنَانه . كَمَا : 6207 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { وَاتَّقُوا اللَّه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } أَيْ فَأَطِيعُوا اللَّه لَعَلَّكُمْ أَنْ تَنْجُوا مِمَّا حَذَّرَكُمْ مِنْ عَذَابه , وَتُدْرِكُوا مَا رَغَّبَكُمْ فِيهِ مِنْ ثَوَابه .