تفسير السعدي

سورة العنكبوت الآية ٦٩

وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُوا۟ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴿٦٩﴾
" وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا " وهم الذين هاجروا في سبيل اللّه, وجاهدوا أعداءهم, وبذلوا مجهودهم في اتباع مرضاته.
" لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا " أي: الطرق الموصلة إلينا, وذلك, لأنهم محسنون.
" وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ " بالعون والنصر, والهداية.
دل هذا, على أن أحرى الناس بموافقة الصواب, أهل الجهاد.
وعلى أن من أحسن فيما أمر به, أعانه اللّه, ويسر له أسباب الهداية.
وعلى أن من جد واجتهد في طلب العلم الشرعي, فإنه يحصل له من الهداية, والمعونة على تحصيل مطلوبه, أمور إلهية, خارجة عن مدرك اجتهاده, وتيسر له أمر العلم.
فإن طلب العلم الشرعي, من الجهاد في سبيل اللّه, بل هو أحد نَوْعَي الجهاد, الذي لا يقوم به إلا خواص الخلق, وهو الجهاد بالقول, واللسان, للكفار, والمنافقين.
والجهاد على تعليم أمور الدين, وعلى رد نزاع المخالفين للحق, ولو كانوا من المسلمين.
تم تفسير سورة العنكبوت - بحمد اللّه وعونه
والمؤمنون الذين جاهدوا أعداء الله، والنفس، والشيطان، وصبروا على الفتن والأذى في سبيل الله، سيهديهم الله سبل الخير، ويثبتهم على الصراط المستقيم، ومَن هذه صفته فهو محسن إلى نفسه وإلى غيره. وإن الله سبحانه وتعالى لمع مَن أحسن مِن خَلْقِه بالنصرة والتأييد والحفظ والهداية.
"وَاَلَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا" فِي حَقّنَا "لِنَهْدِيَنهمْ سُبُلنَا" أَيْ طُرُق السَّيْر إلَيْنَا "وَإِنَّ اللَّه لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ" الْمُؤْمِنِينَ بِالنَّصْرِ وَالْعَوْن
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى " وَاَلَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا " يَعْنِي الرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه وَأَتْبَاعه إِلَى يَوْم الدِّين " لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلنَا" أَيْ لَنُبَصِّرَنَّهُمْ سُبُلنَا أَيْ طُرُقنَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة. قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن أَبِي الْحَوَارِيّ أَخْبَرَنَا عَبَّاس الْهَمْدَانِيّ أَبُو أَحْمَد مِنْ أَهْل عَكَّا فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى " وَاَلَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلنَا وَإِنَّ اللَّه لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ" قَالَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِمَا يَعْلَمُونَ يَهْدِيهِمْ اللَّه لِمَا لَا يَعْلَمُونَ قَالَ أَحْمَد بْن أَبِي الْحَوَارِيّ فَحَدَّثْت بِهِ أَبَا سُلَيْمَان يَعْنِي الدَّارَانِيّ فَأَعْجَبَهُ وَقَالَ لَيْسَ يَنْبَغِي لِمَنْ أُلْهِمَ شَيْئًا مِنْ الْخَيْر أَنْ يَعْمَل بِهِ حَتَّى يَسْمَعهُ فِي الْأَثَر فَإِذَا سَمِعَهُ فِي الْأَثَر عَمِلَ بِهِ وَحَمِدَ اللَّه حَتَّى وَافَقَ مَا فِي قَلْبه . وَقَوْله " وَإِنَّ اللَّه لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ " قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا عِيسَى بْن جَعْفَر قَاضِي الرَّيّ حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَر الرَّازِيّ عَنْ الْمُغِيرَة عَنْ الشَّعْبِيّ قَالَ : قَالَ عِيسَى اِبْن مَرْيَم عَلَيْهِ السَّلَام إِنَّمَا الْإِحْسَان أَنْ تُحْسِن إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْك لَيْسَ الْإِحْسَان أَنْ تُحْسِن إِلَى مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْك وَاَللَّه أَعْلَم . آخِر تَفْسِير سُورَة الْعَنْكَبُوت وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّة .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلنَا وَإِنَّ اللَّه لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَاَلَّذِينَ قَاتَلُوا هَؤُلَاءِ الْمُفْتَرِينَ عَلَى اللَّه كَذِبًا مِنْ كُفَّار قُرَيْش , الْمُكَذِّبِينَ بِالْحَقِّ لِمَا جَاءَهُمْ فِينَا , مُبْتَغِينَ بِقِتَالِهِمْ عُلُوّ كَلِمَتنَا , وَنُصْرَة دِيننَا { لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلنَا } يَقُول : لَنُوَفِّقَنَّهُمْ لِإِصَابَةِ الطَّرِيق الْمُسْتَقِيمَة , وَذَلِكَ إِصَابَة دِين اللَّه الَّذِي هُوَ الْإِسْلَام الَّذِي بَعَثَ اللَّه بِهِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَإِنَّ اللَّه لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ } يَقُول : وَإِنَّ اللَّه لَمَعَ مَنْ أَحْسَنَ مِنْ خَلْقه , فَجَاهَدَ فِيهِ أَهْل الشِّرْك , مُصَدِّقًا رَسُوله فِيمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه بِالْعَوْنِ لَهُ , وَالنُّصْرَة عَلَى مَنْ جَاهَدَ مِنْ أَعْدَائِهِ. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيل قَوْله { وَاَلَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا } قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21220 - حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله { وَاَلَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا } فَقُلْت لَهُ : قَاتَلُوا فِينَا , قَالَ : نَعَمْ . آخِر تَفْسِير سُورَة الْعَنْكَبُوت
أَيْ جَاهَدُوا الْكُفَّار فِينَا أَيْ فِي طَلَب مَرْضَاتنَا وَقَالَ السُّدِّيّ وَغَيْره : إِنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ قَبْل فَرْض الْقِتَال قَالَ اِبْن عَطِيَّة : فَهِيَ قَبْل الْجِهَاد الْعُرْفِيّ وَإِنَّمَا هُوَ جِهَاد عَامّ فِي دِين اللَّه وَطَلَب مَرْضَاته قَالَ الْحَسَن بْن أَبِي الْحَسَن : الْآيَة فِي الْعِبَاد وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَإِبْرَاهِيم بْن أَدْهَم : هِيَ فِي الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِمَا يَعْلَمُونَ وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ عَلَّمَهُ اللَّه مَا لَمْ يَعْلَم ) وَنَزَعَ بَعْض الْعُلَمَاء إِلَى قَوْل : " وَاتَّقُوا اللَّه وَيُعَلِّمكُمْ اللَّه " [ الْبَقَرَة : 282 ] وَقَالَ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز : إِنَّمَا قَصَّرَ بِنَا عَنْ عِلْم مَا جَهِلْنَا تَقْصِيرنَا فِي الْعَمَل بِمَا عَلِمْنَا وَلَوْ عَمِلْنَا بِبَعْضِ مَا عَلِمْنَا لَأَوْرَثَنَا عِلْمًا لَا تَقُوم بِهِ أَبْدَاننَا ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَاتَّقُوا اللَّه وَيُعَلِّمكُمْ اللَّه " وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان الدَّارَانِيّ : لَيْسَ الْجِهَاد فِي الْآيَة قِتَال الْكُفَّار فَقَطْ بَلْ هُوَ نَصْر الدِّين وَالرَّدّ عَلَى الْمُبْطِلِينَ ; وَقَمْع الظَّالِمِينَ ; وَعُظْمه الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر وَمِنْهُ مُجَاهَدَة النُّفُوس فِي طَاعَة اللَّه وَهُوَ الْجِهَاد الْأَكْبَر وَقَالَ سُفْيَان بْن عُيَيْنَة لِابْنِ الْمُبَارَك : إِذَا رَأَيْت النَّاس قَدْ اِخْتَلَفُوا فَعَلَيْك بِالْمُجَاهِدِينَ وَأَهْل الثُّغُور فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى يَقُول : " لَنَهْدِيَنَّهُمْ " وَقَالَ الضَّحَّاك : مَعْنَى الْآيَة ; وَاَلَّذِينَ جَاهَدُوا فِي الْهِجْرَة لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُل الثَّبَات عَلَى الْإِيمَان ثُمَّ قَالَ : مَثَل السُّنَّة فِي الدُّنْيَا كَمَثَلِ الْجَنَّة فِي الْعُقْبَى مَنْ دَخَلَ الْجَنَّة فِي الْعُقْبَى سَلِمَ كَذَلِكَ مَنْ لَزِمَ السُّنَّة فِي الدُّنْيَا سَلِمَ وَقَالَ عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس : وَاَلَّذِينَ جَاهَدُوا فِي طَاعَتنَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُل ثَوَابنَا وَهَذَا يَتَنَاوَل بِعُمُومِ الطَّاعَة جَمِيع الْأَقْوَال وَنَحْوه قَوْل عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر قَالَ : تَقُول الْحِكْمَة مَنْ طَلَبَنِي فَلَمْ يَجِدنِي فَلْيَطْلُبْنِي فِي مَوْضِعَيْنِ : أَنْ يَعْمَل بِأَحْسَنَ مَا يَعْلَمهُ وَيَجْتَنِب أَسْوَأ مَا يَعْلَمهُ وَقَالَ الْحَسَن بْن الْفَضْل : فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير أَيْ الَّذِينَ هَدَيْنَاهُمْ هُمْ الَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا " لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلنَا " أَيْ طَرِيق الْجَنَّة ; قَالَهُ السُّدِّيّ . النَّقَّاش : يُوَفِّقهُمْ لِدِينِ الْحَقّ وَقَالَ يُوسُف بْن أَسْبَاط : الْمَعْنَى لَنُخَلِّصَنَّ نِيَّاتهمْ وَصَدَقَاتهمْ وَصَلَوَاتهمْ وَصِيَامهمْ



لَام تَأْكِيد وَدَخَلَتْ فِي " مَعَ " عَلَى أَحَد وَجْهَيْنِ : أَنْ يَكُون اِسْمًا وَلَام التَّوْكِيد إِنَّمَا تَدْخُل عَلَى الْأَسْمَاء أَوْ حَرْفًا فَتَدْخُل عَلَيْهَا ; لِأَنَّ فِيهَا مَعْنَى الِاسْتِقْرَار ; كَمَا تَقُول إِنَّ زَيْدًا لَفِي الدَّار وَ " مَعَ " إِذَا سُكِّنَتْ فَهِيَ حَرْف لَا غَيْر وَإِذَا فُتِحَتْ جَازَ أَنْ تَكُون اِسْمًا وَأَنْ تَكُون حَرْفًا وَالْأَكْثَر أَنْ تَكُون حَرْفًا جَاءَ لِمَعْنًى وَتَقَدَّمَ مَعْنَى الْإِحْسَان وَالْمُحْسِنِينَ فِي [ الْبَقَرَة ] وَغَيْرهَا وَهُوَ سُبْحَانه مَعَهُمْ بِالنُّصْرَةِ وَالْمَعُونَة وَالْحِفْظ وَالْهِدَايَة وَمَعَ الْجَمِيع بِالْإِحَاطَةِ وَالْقُدْرَة فَبَيْن الْمَعِيَّتَيْنِ بَوْن.
مشاركة الموضوع