تفسير السعدي

سورة العنكبوت الآية ٤

أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن يَسْبِقُونَا ۚ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴿٤﴾
أي: أحسب الذين همهم, فعل السيئات, وارتكاب الجنايات, أن أعمالهم ستهمل, وأن اللّه سيغفل عنهم, أو يفوتونه, فلذلك أقدموا عليها, وسهل عليهم عملها؟.
" سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ " أي: ساء حكمهم, فإنه حكم جائر, لتضمنه إنكار قدرة اللّه وحكمته, وأن لديهم قدرة, يمتنعون بها من عقاب اللّه, وهم أضعف شيء وأعجزه.
بل أظنَّ الذين يعملون المعاصي مِن شرك وغيره أن يعجزونا، فيفوتونا بأنفسهم فلا نقدر عليهم؟ بئس حكمهم الذي يحكمون به.
"أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَات" الشِّرْك وَالْمَعَاصِي "أَنْ يَسْبِقُونَا" يَفُوتُونَا فَلَا نَنْتَقِم مِنْهُمْ "سَاءَ" بِئْسَ "مَا" الَّذِي "يَحْكُمُونَ" يَحْكُمُونَهُ حُكْمهمْ هَذَا
أَيْ لَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ لَمْ يَدْخُلُوا فِي الْإِيمَان أَنَّهُمْ يَتَخَلَّصُونَ مِنْ هَذِهِ الْفِتْنَة وَالِامْتِحَان فَإِنَّ مِنْ وَرَائِهِمْ مِنْ الْعُقُوبَة وَالنَّكَال مَا هُوَ أَغْلَظ مِنْ هَذَا وَأَطَمّ وَلِهَذَا قَالَ " أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَات أَنْ يَسْبِقُونَا " أَيْ يَفُوتُونَا " سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ" أَيْ بِئْسَ مَا يَظُنُّونَ .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَات أَنْ يَسْبِقُونَا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يُشْرِكُونَ بِاَللَّهِ فَيَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْره , وَهُمْ الْمَعْنِيُّونَ بِقَوْلِهِ { الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَات أَنْ يَسْبِقُونَا } يَقُول : أَنْ يُعْجِزُونَا فَيَفُوتُونَا بِأَنْفُسِهِمْ , فَلَا نَقْدِر عَلَيْهِمْ فَنَنْتَقِم مِنْهُمْ لِشِرْكِهِمْ بِاَللَّهِ ؟ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21084 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله { أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَات } أَيْ الشِّرْك أَنْ يَسْبِقُونَا . 21085 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { أَنْ يَسْبِقُونَا } أَنْ يُعْجِزُونَا .

وَقَوْله : { سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : سَاءَ حُكْمهمْ الَّذِي يَحْكُمُونَ بِأَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَات يَسْبِقُونَنَا بِأَنْفُسِهِمْ.
أَيْ الشِّرْك قَالَ اِبْن عَبَّاس : يُرِيد الْوَلِيد بْن الْمُغِيرَة وَأَبَا جَهْل وَالْأَسْوَد وَالْعَاص بْن هِشَام وَشَيْبَة وَعُتْبَة وَالْوَلِيد بْن عُتْبَة وَعُقْبَة بْن أَبِي مُعَيْط وَحَنْظَلَة بْن أَبِي سُفْيَان وَالْعَاص بْن وَائِل


أَيْ يَفُوتُونَا وَيُعْجِزُونَا قَبْل أَنْ نُؤَاخِذهُمْ بِمَا يَفْعَلُونَ



أَيْ بِئْسَ الْحُكْم مَا حَكَمُوا فِي صِفَات رَبّهمْ أَنَّهُ مَسْبُوق وَاَللَّه الْقَادِر عَلَى كُلّ شَيْء وَ " مَا " فِي مَوْضِع نَصْب بِمَعْنَى سَاءَ شَيْئًا أَوْ حُكْمًا يَحْكُمُونَ وَيَجُوز أَنْ تَكُون " مَا " فِي مَوْضِع رَفْع بِمَعْنَى سَاءَ الشَّيْء أَوْ الْحُكْم حُكْمهمْ وَهَذَا قَوْل الزَّجَّاج وَقَدَّرَهَا اِبْن كَيْسَان تَقْدِيرَيْنِ آخَرِينَ خِلَاف ذَيْنك : أَحَدهمَا : أَنْ يَكُون مَوْضِع " مَا يَحْكُمُونَ " بِمَنْزِلَةِ شَيْء وَاحِد كَمَا تَقُول : أَعْجَبَنِي مَا صَنَعْت ; أَيْ صَنِيعك ; فَ " مَا " وَالْفِعْل مَصْدَر فِي مَوْضِع رَفْع التَّقْدِير ; سَاءَ حُكْمهمْ وَالتَّقْدِير الْآخَر أَنْ تَكُون " مَا " لَا مَوْضِع لَهَا مِنْ الْإِعْرَاب وَقَدْ قَامَتْ مَقَام الِاسْم لِسَاءَ وَكَذَلِكَ نِعْمَ وَبِئْسَ قَالَ أَبُو الْحَسَن بْن كَيْسَان : وَأَنَا أَخْتَار أَنْ أَجْعَل لِ " مَا " مَوْضِعًا فِي كُلّ مَا أَقْدِر عَلَيْهِ ; نَحْو قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : " فَبِمَا رَحْمَة مِنْ اللَّه " [ آل عِمْرَان : 159 ] وَكَذَا " فَبِمَا نَقْضِهِمْ " [ الْمَائِدَة : 13 ] وَكَذَا " أَيّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْت " [ الْقَصَص : 28 ] " مَا " فِي مَوْضِع خَفْض فِي هَذَا كُلّه وَمَا بَعْده تَابِع لَهَا وَكَذَا ; " إِنَّ اللَّه لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِب مَثَلًا مَا بَعُوضَة " [ الْبَقَرَة : 26 ] " مَا " فِي مَوْضِع نَصْب وَ " بَعُوضَة " تَابِع لَهَا
مشاركة الموضوع