تفسير السعدي

سورة الشعراء الآية ٩

وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ﴿٩﴾
" وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ " الذي قد قهر كل مخلوق, ودان له العالم العلوي والسفلي.
" الرَّحِيمِ " الذي وسعت رحمته كل شيء, ووصل جوده إلى كل حي, العزيز الذي أهلك الأشقياء بأنواع العقوبات, الرحيم بالسعداء, حيث أنجاهم من كل شر وبلاء.
أكذبوا ولم ينظروا إلى الأرض التي أنبتنا فيها من كل نوع حسن نافع من النبات، لا يقدر على إنباته إلا رب العالمين؟ إن في إخراج النبات من الأرض لَدلالة واضحة على كمال قدرة الله، وما كان أكثر القوم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز على كل مخلوق، الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء.
"وَإِنَّ رَبّك لَهُوَ الْعَزِيز" ذُو الْعِزَّة يَنْتَقِم مِنْ الْكَافِرِينَ "الرَّحِيم" يَرْحَم الْمُؤْمِنِينَ
وَقَوْله " وَإِنَّ رَبّك لَهُوَ الْعَزِيز " أَيْ الَّذِي عَزَّ كُلّ شَيْء وَقَهَرَهُ وَغَلَبَهُ" الرَّحِيم " أَيْ بِخَلْقِهِ فَلَا يَعْجَل عَلَى مَنْ عَصَاهُ بَلْ يُؤَجِّلهُ وَيُنْظِرهُ ثُمَّ يَأْخُذهُ أَخْذ عَزِيز مُقْتَدِر قَالَ أَبُو الْعَالِيَة وَقَتَادَة وَالرَّبِيع بْن أَنَس وَابْن إِسْحَاق : الْعَزِيز فِي نِقْمَته وَانْتِصَاره مِمَّنْ خَالَفَ أَمْره وَعَبَدَ غَيْره وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : الرَّحِيم بِمَنْ تَابَ إِلَيْهِ وَأَنَابَ .
وَقَوْله : { وَإِنَّ رَبّك لَهُوَ الْعَزِيز الرَّحِيم } يَقُول : وَإِنَّ رَبّك يَا مُحَمَّد لَهُوَ الْعَزِيز فِي نِقْمَته , لَا يَمْتَنِع عَلَيْهِ أَحَد أَرَادَ الِانْتِقَام مِنْهُ . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَإِنِّي إِنْ أَحْلَلْت بِهَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ بِك يَا مُحَمَّد , الْمُعْرِضِينَ عَمَّا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْر مِنْ عِنْدِي , عُقُوبَتِي بِتَكْذِيبِهِمْ إِيَّاكَ , فَلَنْ يَمْنَعهُمْ مِنِّي مَانِع , لِأَنِّي أَنَا الْعَزِيز الرَّحِيم , يَعْنِي أَنَّهُ ذُو الرَّحْمَة بِمَنْ تَابَ مِنْ خَلْقه مِنْ كُفْره وَمَعْصِيَته , أَنْ يُعَاقِبهُ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ جُرْمه بَعْد تَوْبَته . وَكَانَ اِبْن جُرَيْج يَقُول فِي مَعْنَى ذَلِكَ , مَا : 20197 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي الْحَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج قَالَ : كُلّ شَيْء فِي الشُّعَرَاء مِنْ قَوْله " عَزِيز رَحِيم " فَهُوَ مَا أَهْلَكَ مِمَّنْ مَضَى مِنْ الْأُمَم , يَقُول عَزِيز , حِين اِنْتَقَمَ مِنْ أَعْدَائِهِ , رَحِيم بِالْمُؤْمِنِينَ , حِين أَنْجَاهُمْ مِمَّا أَهْلَكَ بِهِ أَعْدَاءَهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَإِنَّمَا اِخْتَرْنَا الْقَوْل الَّذِي اِخْتَرْنَاهُ فِي ذَلِكَ فِي هَذَا الْمَوْضِع , لِأَنَّ قَوْله : { وَإِنَّ رَبّك لَهُوَ الْعَزِيز الرَّحِيم } عَقِيب وَعِيد اللَّه قَوْمًا مِنْ أَهْل الشِّرْك وَالتَّكْذِيب بِالْبَعْثِ , لَمْ يَكُونُوا أُهْلِكُوا , فَيُوَجَّه إِلَى أَنَّهُ خَبَر مِنْ اللَّه عَنْ فِعْله بِهِمْ وَإِهْلَاكه . وَلَعَلَّ اِبْن جُرَيْج بِقَوْلِهِ هَذَا أَرَادَ مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ عَقِيب خَبَر اللَّه عَنْ إِهْلَاكه مَنْ أَهْلَكَ مِنْ الْأُمَم , وَذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّه إِذَا كَانَ عَقِيب خَبَرهمْ كَذَلِكَ .
يُرِيد الْمَنِيع الْمُنْتَقِم مِنْ أَعْدَائِهِ , الرَّحِيم بِأَوْلِيَائِهِ .
مشاركة الموضوع