تفسير السعدي

سورة الشعراء الآية ٢١٣

فَلَا تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتَكُونَ مِنَ ٱلْمُعَذَّبِينَ ﴿٢١٣﴾
ينهى تعالى رسوله أصلا, وأمته أسوة له في ذلك, عن دعاء غير الله, من جميع المخلوقين, وأن ذلك موجب للعذاب الدائم, والعقاب السرمدي, لكونه شركا.
" مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ " .
والنهي عن الشيء, أمر بضده.
فالنهي عن الشرك, أمر بإخلاص العبادة وحده لا شريك له, محبة, وخوفا, ورجاء, وذلا, وإنابة إليه في جميع الأوقات.
ولما أمره بما فيه كمال نفسه, أمره بتكميل غيره فقال:
فلا تعبد مع الله معبودًا غيره، فينزل بك من العذاب ما نزل بهؤلاء الذين عبدوا مع الله غيره.
"فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّه إلَهًا آخَر فَتَكُون مِنْ الْمُعَذَّبِينَ" إنْ فَعَلْت ذَلِكَ الَّذِي دَعَوْك إلَيْهِ
يَقُول تَعَالَى آمِرًا بِعِبَادَتِهِ وَحْده لَا شَرِيك لَهُ وَمُخْبِرًا أَنَّ مَنْ أَشْرَكَ بِهِ عَذَّبَهُ ; ثُمَّ قَالَ تَعَالَى آمِرًا لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُنْذِر عَشِيرَته الْأَقْرَبِينَ أَيْ الْأَدْنَيْنَ إِلَيْهِ ; وَأَنَّهُ لَا يُخَلِّص أَحَدًا مِنْهُمْ إِلَّا إِيمَانه بِرَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ ; وَأَمَرَهُ أَنْ يُلِين جَانِبه لِمَنْ اِتَّبَعَهُ مِنْ عِبَاد اللَّه الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ عَصَاهُ مِنْ خَلْق اللَّه كَائِنًا مَنْ كَانَ فَلْيَتَبَرَّأْ مِنْهُ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى " فَإِنْ عَصَوْك فَقُلْ إِنِّي بَرِيء مِمَّا تَعْمَلُونَ" وَهَذِهِ النِّذَارَة الْخَاصَّة لَا تُنَافِي الْعَامَّة بَلْ هِيَ فَرْد مِنْ أَجْزَائِهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى " لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ " وَقَالَ تَعَالَى " لَتُنْذِر أُمّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلهَا " وَقَالَ تَعَالَى " وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبّهمْ " وَقَالَ تَعَالَى" لِتُبَشِّر بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذَر بِهِ قَوْمًا لُدًّا " وَقَالَ تَعَالَى " لِأُنْذِركُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ " كَمَا قَالَ تَعَالَى" وَمَنْ يَكْفُر بِهِ مِنْ الْأَحْزَاب فَالنَّار مَوْعِده " وَفِي صَحِيح مُسْلِم " وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَسْمَع بِي أَحَد مِنْ هَذِهِ الْأُمَّة يَهُودِيّ وَلَا نَصْرَانِيّ ثُمَّ لَا يُؤْمِن بِي إِلَّا دَخَلَ النَّار " .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّه إِلَهًا آخَر فَتَكُون مِنْ الْمُعَذَّبِينَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فَلَا تَدْعُ } يَا مُحَمَّد { مَعَ اللَّه إِلَهًا آخَر } أَيْ لَا تَعْبُد مَعَهُ مَعْبُودًا غَيْره { فَتَكُون مِنْ الْمُعَذَّبِينَ } فَيَنْزِل بِك مِنْ الْعَذَاب مَا نَزَلَ بِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ خَالَفُوا أَمْرنَا وَعَبَدُوا غَيْرنَا .
قِيلَ : الْمَعْنَى قُلْ لِمَنْ كَفَرَ هَذَا . وَقِيلَ : هُوَ مُخَاطَبَة لَهُ عَلَيْهِ السَّلَام وَإِنْ كَانَ لَا يَفْعَل هَذَا ; لِأَنَّهُ مَعْصُوم مُخْتَار وَلَكِنَّهُ خُوطِبَ بِهَذَا وَالْمَقْصُود غَيْره . وَدَلَّ عَلَى هَذَا قَوْله : " وَأَنْذِرْ عَشِيرَتك الْأَقْرَبِينَ " أَيْ لَا يَتَّكِلُونَ عَلَى نَسَبهمْ وَقَرَابَتهمْ فَيَدْعُونَ مَا يَجِب عَلَيْهِمْ .
مشاركة الموضوع