تفسير السعدي

سورة الشعراء الآية ٢١

فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِى رَبِّى حُكْمًۭا وَجَعَلَنِى مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴿٢١﴾
" فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ " حين تراجعتم بقتلي, فهربت إلى مدين, ومكثت سنين, ثم جئتكم.
" فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ " .
فالحاصل أن اعتراض فرعرن على موسى, اعتراض جاهل أو متجاهل.
فإنه جعل المانع من كونه رسولا, أن جرى منه القتل.
فبين له موسى, أن قتله كان على وجه الضلال والخطأ, الذي لم يقصد نفس القتل.
وأن فضل الله تعالى غير ممنوع منه أحد, فلم منعتم ما منحني الله, من الحكم والرسالة؟.
بقي عليك يا فرعون, إدلاؤك بقولك: " أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا " وعند التحقيق, يتبين أن لا منة لك فيها, ولهذا قال موسى:
قال موسى مجيبًا لفرعون: فعلتُ ما ذكرتَ قبل أن يوحي الله إلي، ويبعثني رسولا فخرجت من بينكم فارًّا إلى "مدين"، لـمَّا خفت أن تقتلوني بما فعلتُ من غير عَمْد، فوهب لي ربي تفضلا منه النبوة والعلم، وجعلني من المرسلين. وتلك التربية في بيتك تَعُدُّها نعمة منك عليَّ، وقد جعلت بني إسرائيل عبيدًا تذبح أبناءهم وتستحيي نساءهم؟
"فَفَرَرْت مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا" عِلْمًا
" فَفَرَرْت مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ" . الْآيَة أَيْ اِنْفَصَلَ الْحَال الْأَوَّل وَجَاءَ أَمْر آخَر فَقَدْ أَرْسَلَنِي اللَّه إِلَيْك فَإِنْ أَطَعْته سَلِمْت وَإِنْ خَالَفْته عَطِبْت .
وَقَوْله { فَفَرَرْت مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ } الْآيَة , يَقُول تَعَالَى ذِكْره مُخْبِرًا عَنْ قِيلَ مُوسَى لِفِرْعَوْن : { فَفَرَرْت مِنْكُمْ } مَعْشَر الْمَلَأ مِنْ قَوْم فِرْعَوْن { لَمَّا خِفْتُكُمْ } أَنْ تَقْتُلُونِي بِقَتْلِي الْقَتِيل مِنْكُمْ .

يَقُول : فَوَهَبَ لِي رَبِّي نُبُوَّة وَهِيَ الْحُكْم . كَمَا . 20209 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْن هَارُون , قَالَ : ثَنَا عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط عَنْ السُّدِّيّ : { فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا } وَالْحُكْم : النُّبُوَّة .

وَقَوْله : { وَجَعَلَنِي مِنْ الْمُرْسَلِينَ } يَقُول : وَأَلْحَقَنِي بِعِدَادِ مَنْ أَرْسَلَهُ إِلَى خَلْقه , مُبَلِّغًا عَنْهُ رِسَالَته إِلَيْهِمْ بِإِرْسَالِهِ إِيَّايَ إِلَيْك يَا فِرْعَوْن .
أَيْ خَرَجْت مِنْ بَيْنكُمْ إِلَى مَدْيَن كَمَا فِي سُورَة " الْقَصَص " : " فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّب " [ الْقَصَص : 21 ] وَذَلِكَ حِين الْقَتْل .


يَعْنِي النُّبُوَّة ; عَنْ السُّدِّيّ وَغَيْره . الزَّجَّاج : تَعْلِيم التَّوْرَاة الَّتِي فِيهَا حُكْم اللَّه . وَقِيلَ : عِلْمًا وَفَهْمًا .
مشاركة الموضوع