تفسير السعدي

سورة الشعراء الآية ١٠٢

فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةًۭ فَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴿١٠٢﴾
" فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً " أي: رجعة إلى الدنيا, وإعادة إليها " فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ " لنسلم من العقاب, ونستحق الثواب.
هيهات هيهات, قد حيل بينهم وبين ما يشتهون, وقد غلقت منهم الرهون.
فليت لنا رجعة إلى الدنيا، فنصير من جملة المؤمنين الناجين.
"فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّة" رَجْعَة إلَى الدُّنْيَا "فَنَكُون مِنْ الْمُؤْمِنِينَ" لَوْ هُنَا لِلتَّمَنِّي وَنَكُون جَوَابه
" فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّة فَنَكُون مِنْ الْمُؤْمِنِينَ " وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يَتَمَنَّوْنَ أَنْ يُرَدُّوا إِلَى دَار الدُّنْيَا لِيَعْمَلُوا بِطَاعَةِ رَبّهمْ فِيمَا يَزْعُمُونَ وَاَللَّه تَعَالَى يَعْلَم أَنَّهُمْ لَوْ رُدُّوا إِلَى دَار الدُّنْيَا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ; وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّه تَعَالَى عَنْ تَخَاصُم أَهْل النَّار فِي سُورَة ص ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : " إِنَّ ذَلِكَ لَحَقّ تَخَاصُم أَهْل النَّار " .
وَقَوْله { فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّة فَنَكُون مِنْ الْمُؤْمِنِينَ } يَقُول : فَلَوْ أَنَّ لَنَا رَجْعَة إِلَى الدُّنْيَا فَنُؤْمِن بِاَللَّهِ فَنَكُون بِإِيمَانِنَا بِهِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ .
" أَنَّ " فِي مَوْضِع رَفْع , الْمَعْنَى وَلَوْ وَقَعَ لَنَا رُجُوع إِلَى الدُّنْيَا لَآمَنَّا حَتَّى يَكُون لَنَا شُفَعَاء . تَمَنَّوْا حِين لَا يَنْفَعهُمْ التَّمَنِّي . وَإِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ حِين شَفَعَ الْمَلَائِكَة وَالْمُؤْمِنُونَ . قَالَ جَابِر بْن عَبْد اللَّه قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ الرَّجُل لَيَقُول فِي الْجَنَّة مَا فَعَلَ فُلَان وَصَدِيقه فِي الْجَحِيم فَلَا يَزَال يَشْفَع لَهُ حَتَّى يُشَفِّعهُ اللَّه فِيهِ فَإِذَا نَجَا قَالَ الْمُشْرِكُونَ : ( مَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ وَلَا صَدِيق حَمِيم ) . وَقَالَ الْحَسَن : مَا اِجْتَمَعَ مَلَأ عَلَى ذِكْر اللَّه , فِيهِمْ عَبْد مِنْ أَهْل الْجَنَّة إِلَّا شَفَّعَهُ اللَّه فِيهِمْ , وَإِنَّ أَهْل الْإِيمَان لَيَشْفَع بَعْضهمْ فِي بَعْض وَهُمْ عِنْد اللَّه شَافِعُونَ مُشَفَّعُونَ . وَقَالَ كَعْب : إِنَّ الرَّجُلَيْنِ كَانَا صَدِيقَيْنِ فِي الدُّنْيَا , فَيَمُرّ أَحَدهمَا بِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُجَرّ إِلَى النَّار , فَيَقُول لَهُ أَخُوهُ : وَاَللَّه مَا بَقِيَ لِي إِلَّا حَسَنَة وَاحِدَة أَنْجُو بِهَا , خُذْهَا أَنْتَ يَا أَخِي فَتَنْجُو بِهَا مِمَّا أَرَى , وَأَبْقَى أَنَا وَإِيَّاكَ مِنْ أَصْحَاب الْأَعْرَاف . قَالَ : فَيَأْمُر اللَّه بِهِمَا جَمِيعًا فَيَدْخُلَانِ الْجَنَّة .
مشاركة الموضوع