تفسير السعدي

سورة الفرقان الآية ٣٩

وَكُلًّۭا ضَرَبْنَا لَهُ ٱلْأَمْثَٰلَ ۖ وَكُلًّۭا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًۭا ﴿٣٩﴾
وكل الأمم بيَّنَّا لهم الحجج، ووضَّحنا لهم الأدلة، وأزحنا الأعذار عنهم، ومع ذلك لم يؤمنوا، فأهلكناهم بالعذاب إهلاكًا.
"وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَال" فِي إقَامَة الْحُجَّة عَلَيْهِمْ فَلَمْ نُهْلِكهُمْ إلَّا بَعْد الْإِنْذَار "وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا" أَهْلَكْنَا إهْلَاكًا بِتَكْذِيبِهِمْ أَنْبِيَاءَهُمْ
وَلِهَذَا قَالَ " وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَال " أَيْ بَيَّنَّا لَهُمْ الْحُجَج وَوَضَّحْنَا لَهُمْ الْأَدِلَّة كَمَا قَالَ قَتَادَة وَأَزَحْنَا الْأَعْذَار عَنْهُمْ " وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا" أَيْ أَهْلَكْنَا إِهْلَاكًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ الْقُرُون مِنْ بَعْد نُوح " وَالْقَرْن هُوَ الْأُمَّة مِنْ النَّاس كَقَوْلِهِ : " ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدهمْ قُرُونًا آخَرِينَ " وَعَدَّهُ بَعْضهمْ بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَة وَقِيلَ بِمِائَةٍ وَقِيلَ بِثَمَانِينَ وَقِيلَ أَرْبَعِينَ وَقِيلَ غَيْر ذَلِكَ وَالْأَظْهَر أَنَّ الْقَرْن هُوَ الْأُمَّة الْمُتَعَاصِرُونَ فِي الزَّمَن الْوَاحِد وَإِذَا ذَهَبُوا وَخَلِفَهُمْ جِيل فَهُوَ قَرْن آخَر كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ " خَيْر الْقُرُون قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ " الْحَدِيث .
وَقَوْله { وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَال } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَكُلّ هَذِهِ الْأُمَم الَّتِي أَهْلَكْنَاهَا الَّتِي سَمَّيْنَاهَا لَكُمْ أَوْ لَمْ نُسَمِّهَا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَال , يَقُول : مَثَّلْنَا لَهُ الْأَمْثَال وَنَبَّهْنَاهَا عَلَى حُجَجنَا عَلَيْهَا , وَأَعْذَرْنَا إِلَيْهَا بِالْعِبَرِ وَالْمَوَاعِظ , فَلَمْ نُهْلِك أُمَّة إِلَّا بَعْد الْإِبْلَاغ إِلَيْهِمْ فِي الْمَعْذِرَة . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20022 - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَال } قَالَ : كُلّ قَدْ أَعْذَرَ اللَّه إِلَيْهِ , ثُمَّ انْتَقَمَ مِنْهُ .


وَقَوْله : { وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَكُلّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ذَكَرْنَا لَكُمْ أَمْرهمْ اسْتَأْصَلْنَاهُمْ , فَدَمَّرْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ إِبَادَة , وَأَهْلَكْنَاهُمْ جَمِيعًا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20023 - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنِ الْحَسَن , فِي قَوْله : { وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا } قَالَ : تَبَّرَ اللَّه كُلًّا بِعَذَابٍ تَتْبِيرًا . 20024 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب قَالَ : ثنا ابْن يَمَان , عَنْ أَشْعَث , عَنْ جَعْفَر , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر : { وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا } قَالَ : تَتْبِير بِالنَّبَطِيَّةِ . 20025 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , قَالَ : قَالَ ابْن جُرَيْج , قَوْله : { وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا } قَالَ : بِالْعَذَابِ .
قَالَ الزَّجَّاج . أَيْ وَأَنْذَرْنَا كُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَال وَبَيَّنَّا لَهُمْ الْحُجَّة , وَلَمْ نَضْرِب لَهُمْ الْأَمْثَال الْبَاطِلَة كَمَا يَفْعَلهُ هَؤُلَاءِ الْكَفَرَة . وَقِيلَ : اِنْتَصَبَ عَلَى تَقْدِير ذَكَرْنَا كُلًّا وَنَحْوه ; لِأَنَّ ضَرْب الْأَمْثَال تَذْكِير وَوَعْظ ; ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيّ . وَالْمَعْنَى وَاحِد .

أَيْ أَهْلَكْنَا بِالْعَذَابِ . وَتَبَّرْت الشَّيْء كَسَرْته . وَقَالَ الْمُؤَرِّج وَالْأَخْفَش : دَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا . تُبْدَل التَّاء وَالْبَاء مِنْ الدَّال وَالْمِيم .
مشاركة الموضوع