تفسير السعدي

سورة النور الآية ٢٥

يَوْمَئِذٍۢ يُوَفِّيهِمُ ٱللَّهُ دِينَهُمُ ٱلْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ٱلْمُبِينُ ﴿٢٥﴾
" يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ " أي: جزاءهم على أعمالهم, الجزاء الحق, الذي بالعدل والقسط, يجدون جزاءهم موفرا, لم يفقدوا منها شيئا.
" وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا " ويعلمون في ذلك الموقف العظيم, أن الله هو الحق المبين فيعلمون انحصار الحق المبين في الله تعالى.
فأوصافه العظيمة حق, وأفعاله هي الحق, وعبادته هي الحق, ولقاؤه حق, ووعيده حق, وحكمه الديني والجزائي حق, ورسله حق, فلا ثم حق, إلا في الله, وما من الله.
في هذا اليوم يوفيهم الله جزاءهم كاملا على أعمالهم بالعدل، ويعلمون في ذلك الموقف العظيم أن الله هو الحق المبين الذي هو حق، ووعده حق، ووعيده حق، وكل شيء منه حق، الذي لا يظلم أحدًا مثقال ذرة.
"يَوْمئِذٍ يُوَفِّيهِمْ اللَّه دِينهمْ الْحَقّ" يُجَازِيهِمْ جَزَاءَهُ الْوَاجِب عَلَيْهِمْ "وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّه هُوَ الْحَقّ الْمُبِين" حَيْثُ حَقَّقَ لَهُمْ جَزَاءَهُ الَّذِي كَانُوا يَشُكُّونَ فِيهِ وَمِنْهُمْ عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ وَالْمُحْصَنَات هُنَا أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُذْكَر فِي قَذْفهنَّ تَوْبَة وَمَنْ ذُكِرَ فِي قَذْفهنَّ أَوَّل سُورَة التَّوْبَة غَيْرهنَّ
قَالَ اِبْن عَبَّاس " دِينهمْ " أَيْ حِسَابهمْ وَكُلّ مَا فِي الْقُرْآن دِينهمْ أَيْ حِسَابهمْ وَكَذَا قَالَ غَيْر وَاحِد ثُمَّ إِنَّ قِرَاءَة الْجُمْهُور بِنَصْبِ الْحَقّ عَلَى أَنَّهُ صِفَة لِدِينِهِمْ وَقَرَأَ مُجَاهِد بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ نَعْت الْجَلَالَة وَقَرَأَهَا بَعْض السَّلَف فِي مُصْحَف أُبَيّ بْن كَعْب : يَوْمئِذٍ يُوَفِّيهِمْ اللَّه دِينهمْ الْحَقّ . وَقَوْله " وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّه هُوَ الْحَقّ الْمُبِين " أَيْ وَعْده وَوَعِيده وَحِسَابه هُوَ الْعَدْل الَّذِي لَا جَوْر فِيهِ.
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَوْمئِذٍ يُوَفِّيهِمْ اللَّه دِينهمُ الْحَقّ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { يَوْم تَشْهَد عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتهمْ وَأَيْدِيهمْ وَأَرْجُلهمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } يُوَفِّيهِمْ اللَّه حِسَابهمْ وَجَزَاءَهُمُ الْحَقّ عَلَى أَعْمَالهمْ . وَالدِّين فِي هَذَا الْمَوْضِع : الْحِسَاب وَالْجَزَاء , كَمَا : 19593 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنِ ابْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { يَوْمئِذٍ يُوَفِّيهِمْ اللَّه دِينهمُ الْحَقّ } يَقُول . حِسَابهمْ . وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { الْحَقّ } فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْأَمْصَار . { دِينهمُ الْحَقّ } نَصْبًا عَلَى النَّعْت لِلدِّينِ , كَأَنَّهُ قَالَ : يُوَفِّيهِمْ اللَّه أَعْمَالهمْ حَقًّا . تَمَّ أَدْخَلَ فِي الْحَقّ الْأَلِف وَاللَّام , فَنَصَبَ بِمَا نَصَبَ بِهِ الدِّين . وَذُكِرَ عَنْ مُجَاهِد أَنَّهُ قَرَأَ ذَلِكَ : " يُوَفِّيهِمْ اللَّه دِينهمُ الْحَقّ " بِرَفْعِ " الْحَقّ " عَلَى أَنَّهُ مِنْ نَعْت اللَّه . 19594 - حَدَّثَنَا بِذَلِكَ أَحْمَد بْن يُوسُف , قَالَ : ثنا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا يَزِيد , عَنْ جَرِير بْن حَازِم , عَنْ حُمَيْد , عَنْ مُجَاهِد , أَنَّهُ قَرَأَهَا " الْحَقّ " بِالرَّفْعِ . قَالَ جَرِير . وَقَرَأْتهَا فِي مُصْحَف أُبَيّ بْن كَعْب { يُوَفِّيهِمْ اللَّه الْحَقّ دِينهمْ } . وَالصَّوَاب مِنَ الْقِرَاءَة فِي ذَلِكَ عِنْدنَا مَا عَلَيْهِ قُرَّاء الْأَمْصَار , وَهُوَ نَصْب " الْحَقّ " عَلَى اتِّبَاعه إِعْرَاب " الدِّين " لِإِجْمَاعِ الْحُجَّة عَلَيْهِ .

وَقَوْله : { وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّه هُوَ الْحَقّ الْمُبِين } يَقُول : وَيَعْلَمُونَ يَوْمئِذٍ أَنَّ اللَّه هُوَ الْحَقّ الَّذِي يُبَيِّن لَهُمْ حَقَائِق مَا كَانَ يَعِدهُمْ فِي الدُّنْيَا مِنْ الْعَذَاب , وَيَزُول حِينَئِذٍ الشَّكّ فِيهِ عَنْ أَهْل النِّفَاق الَّذِينَ كَانُوا فِيمَا كَانَ يَعِدهُمْ فِي الدُّنْيَا يَمْتَرُونَ .
أَيْ حِسَابهمْ وَجَزَاؤُهُمْ . وَقَرَأَ مُجَاهِد " يَوْمئِذٍ يُوَفِّيهِمْ اللَّه دِينهمْ الْحَقّ " بِرَفْعِ " الْحَقّ " عَلَى أَنَّهُ نَعْت لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . قَالَ أَبُو عُبَيْد : وَلَوْلَا كَرَاهَة خِلَاف النَّاس لَكَانَ الْوَجْه الرَّفْع ; لِيَكُونَ نَعْتًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ , وَتَكُون مُوَافَقَة لِقِرَاءَةِ أُبَيّ , وَذَلِكَ أَنَّ جَرِير بْن حَازِم قَالَ : رَأَيْت فِي مُصْحَف أُبَيّ " يُوَفِّيهِمْ اللَّه الْحَقّ دِينهمْ " . قَالَ النَّحَّاس : وَهَذَا الْكَلَام مِنْ أَبِي عُبَيْد غَيْر مَرْضِيّ ; لِأَنَّهُ اِحْتَجَّ بِمَا هُوَ مُخَالِف لِلسَّوَادِ الْأَعْظَم . وَلَا حُجَّة أَيْضًا فِيهِ لِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ هَذَا أَنَّهُ فِي مُصْحَف أُبَيّ كَذَا جَازَ أَنْ تَكُون الْقِرَاءَة : يَوْمئِذٍ يُوَفِّيهِمْ اللَّه الْحَقّ دِينهمْ , يَكُون " دِينهمْ " بَدَلًا مِنْ الْحَقّ . وَعَلَى قِرَاءَة " دِينهمْ الْحَقّ " يَكُون " الْحَقّ " نَعْتًا لِدِينِهِمْ , وَالْمَعْنَى حَسَن ; لِأَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ ذَكَرَ الْمُسِيئِينَ وَأَعْلَمَ أَنَّهُ يُجَازِيهِمْ بِالْحَقِّ ; كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ : " وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُور " [ سَبَأ : 17 ] ; لِأَنَّ مُجَازَاة اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لِلْكَافِرِ وَالْمُسِيء بِالْحَقِّ وَالْعَدْل , وَمُجَازَاته لِلْمُحْسِنِ بِالْإِحْسَانِ وَالْفَضْل .


إِسْمَان مِنْ أَسْمَائِهِ سُبْحَانه . وَقَدْ ذَكَرْنَاهُمَا فِي غَيْر مَوْضِع , وَخَاصَّة فِي الْكِتَاب الْأَسْنَى .
مشاركة الموضوع