تفسير السعدي

سورة الحج الآية ٧٤

مَا قَدَرُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ ﴿٧٤﴾
فهؤلاء " مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ " حيث سووا الفقير العاجز من جميع الوجوه, بالغني القوي من جميع الوجوه.
سووا من لا يملك لنفسه, ولا لغيره نفعا ولا ضرا, ولا موتا ولا حياة ولا نشورا, بمن هو النافع الضار, المعطي المانع, مالك الملك.
والمتصرف فيه بجميع أنواع التصريف.
" إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ " أي: كامل القوة, كامل العزة.
ومن كمال قوته وعزته, أن نواصي الخلق بيديه, وأنه لا يتحرك متحرك, ولا يسكن ساكن, إلا بإرادته ومشيئته, فما شاء الله كان, وما لم يشأ لم يكن.
ومن كمال قوته, أن يمسك السماوات والأرض أن تزولا.
ومن كمال قوته, أنه يبعث الخلق كلهم, أولهم وآخرهم, بصيحة واحدة.
ومن كمال قوته, أنه أهلك الجبابرة, والأمم العاتية, بشيء يسير, وسوط من عذابه.
هؤلاء المشركون لم يعظِّموا الله حق تعظيمه، إذ جعلوا له شركاء، وهو القوي الذي خلق كل شيء، العزيز الذي لا يغالَب.
"مَا قَدَرُوا اللَّه" عَظَّمُوهُ "حَقّ قَدْره" عَظَمَته إذْ أَشْرَكُوا بِهِ مَا لَمْ يَمْتَنِع مِنْ الذُّبَاب وَلَا يَنْتَصِف مِنْهُ "إنَّ اللَّه لَقَوِيّ عَزِيز" غَالِب
ثُمَّ قَالَ مَا قَدَرُوا اللَّه حَقّ قَدْره أَيْ مَا عَرَفُوا قَدْر اللَّه وَعَظَمَته حِين عَبَدُوا مَعَهُ غَيْره مِنْ هَذِهِ الَّتِي لَا تُقَاوِم الذُّبَاب لِضَعْفِهَا وَعَجْزهَا " إِنَّ اللَّه لَقَوِيّ عَزِيز " أَيْ هُوَ الْقَوِيّ الَّذِي بِقُدْرَتِهِ وَقُوَّته خَلَقَ كُلّ شَيْء وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأ الْخَلْق ثُمَّ يُعِيدهُ وَهُوَ أَهْوَن عَلَيْهِ" إِنَّ بَطْش رَبّك لَشَدِيد إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئ وَيُعِيد " " إِنَّ اللَّه هُوَ الرَّزَّاق ذُو الْقُوَّة الْمَتِين " وَقَوْله " عَزِيز" أَيْ قَدْ عَزَّ كُلّ شَيْء فَقَهَرَهُ وَغَلَبَهُ فَلَا يُمَانِع وَلَا يُغَالِب لِعَظَمَتِهِ وَسُلْطَانه وَهُوَ الْوَاحِد الْقَهَّار.
وَقَوْله : { مَا قَدَرُوا اللَّه حَقّ قَدْره } يَقُول : مَا عَظَّمَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ جَعَلُوا الْآلِهَة لِلَّهِ شَرِيكًا فِي الْعِبَادَة حَقّ عَظَمَته حِين أَشْرَكُوا بِهِ غَيْره , فَلَمْ يُخْلِصُوا لَهُ الْعِبَادَة وَلَا عَرَفُوهُ حَقّ مَعْرِفَته ; مِنْ قَوْلهمْ : مَا عَرَفْت لِفُلَانٍ قَدْره إِذَا خَاطَبُوا بِذَلِكَ مَنْ قَصَّرَ بِحَقِّهِ وَهُمْ يُرِيدُونَ تَعْظِيمه . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19200 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { وَإِنْ يَسْلُبهُمُ الذُّبَاب شَيْئًا } ... إِلَى آخِر الْآيَة , قَالَ : هَذَا مَثَل ضَرَبَهُ اللَّه لِآلِهَتِهِمْ . وَقَرَأَ : { ضَعُفَ الطَّالِب وَالْمَطْلُوب مَا قَدَرُوا اللَّه حَقّ قَدْره } حِين يَعْبُدُونَ مَعَ اللَّه مَا لَا يَنْتَصِف مِنَ الذُّبَاب وَلَا يَمْتَنِع مِنْهُ .


وَقَوْله : { إِنَّ اللَّه لَقَوِيّ } يَقُول : إِنَّ اللَّه لَقَوِيّ عَلَى خَلْق مَا يَشَاء مِنْ صَغِير مَا يَشَاء مِنْ خَلْقه وَكَبِيره .


يَقُول : مَنِيع فِي مُلْكه لَا يَقْدِر شَيْء دُونه أَنْ يَسْلُبهُ مِنْ مُلْكه شَيْئًا , وَلَيْسَ كَآلِهَتِكُمْ أَيّهَا الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونه الَّذِينَ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى خَلْق ذُبَاب وَلَا عَلَى الِامْتِنَاع مِنَ الذُّبَاب إِذَا اسْتَلَبَهَا شَيْئًا ضَعْفًا وَمَهَانَة.
أَيْ مَا عَظَّمُوهُ حَقّ عَظَمَته ; حَيْثُ جَعَلُوا هَذِهِ الْأَصْنَام شُرَكَاء لَهُ . وَقَدْ مَضَى فِي " الْأَنْعَام " .


أَيْ قَادِر . قَالَ الْخَطَّابِيّ : الْقَوِيّ يَكُون بِمَعْنَى الْقَادِر , وَمَنْ قَوِيَ عَلَى شَيْء فَقَدْ قَدَرَ عَلَيْهِ .


أَيْ جَلِيل شَرِيف , قَالَهُ الزَّجَّاج . وَقِيلَ الْمُمْتَنِع الَّذِي لَا يُرَام , وَقَدْ بَيَّنَّاهُمَا فِي الْكِتَاب الْأَسْنَى فِي شَرْح أَسْمَاء اللَّه الْحُسْنَى .
مشاركة الموضوع