الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيّهَا النَّاس ضُرِبَ مَثَل } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : يَا أَيّهَا النَّاس جُعِلَ لِلَّهِ مَثَل وَذُكِرَ . وَمَعْنَى " ضُرِبَ " فِي هَذَا الْمَوْضِع : " جُعِلَ " مِنْ قَوْلهمْ : ضَرَبَ السُّلْطَان عَلَى النَّاس الْبَعْث , بِمَعْنَى : جَعَلَ عَلَيْهِمْ . وَضَرَبَ الْجِزْيَة عَلَى النَّصَارَى , بِمَعْنَى جَعَلَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ; وَالْمَثَل : الشَّبَه , يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : جُعِلَ لِي شَبَه أَيّهَا النَّاس , يَعْنِي بِالشَّبَهِ وَالْمَثَل : الْآلِهَة , يَقُول : جَعَلَ لِي الْمُشْرِكُونَ الْأَصْنَام شَبَهًا , فَعَبَدُوهَا مَعِي وَأَشْرَكُوهَا فِي عِبَادَتِي .
يَقُول : فَاسْتَمِعُوا حَال مَا مَثَّلُوهُ وَجَعَلُوهُ لِي فِي عِبَادَتهمْ إِيَّاهُ شَبَهًا وَصِفَته .
{ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُون اللَّه لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا } يَقُول : إِنَّ جَمِيع مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُون اللَّه مِنَ الْآلِهَة وَالْأَصْنَام لَوْ جُمِعَتْ لَمْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا فِي صِغَره وَقِلَّته ; لِأَنَّهَا لَا تَقْدِر عَلَى ذَلِكَ وَلَا تُطِيقهُ , وَلَوِ اجْتَمَعَ لِخَلْقِهِ جَمِيعهَا . وَالذُّبَاب وَاحِد , وَجَمْعه فِي الْقِلَّة أَذِبَّة وَفِي الْكَثِير ذِبَّان , نَظِير غُرَاب يُجْمَع فِي الْقِلَّة أَغْرِبَة وَفِي الْكَثْرَة غِرْبَان .
وَقَوْله : { وَإِنْ يَسْلُبهُمْ الذُّبَاب شَيْئًا } يَقُول : وَإِنْ يَسْلُب الْآلِهَة وَالْأَوْثَان الذُّبَاب شَيْئًا مِمَّا عَلَيْهَا مِنْ طِيب وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ شَيْء لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ : يَقُول : لَا تَقْدِر الْآلِهَة أَنْ تَسْتَنْقِذ ذَلِكَ مِنْهُ .
وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْله : { ضَعُفَ الطَّالِب وَالْمَطْلُوب } فَقَالَ بَعْضهمْ : عُنِيَ بِالطَّالِبِ : الْآلِهَة , وَبِالْمَطْلُوبِ : الذُّبَاب . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19199 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , قَالَ ابْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { ضَعُفَ الطَّالِب } قَالَ : آلِهَتهمْ . { وَالْمَطْلُوب } الذُّبَاب . وَكَانَ بَعْضهمْ يَقُول : مَعْنَى ذَلِكَ : { ضَعُفَ الطَّالِب } مِنْ بَنِي آدَم إِلَى الصَّنَم حَاجَته , { وَالْمَطْلُوب } إِلَيْهِ الصَّنَم أَنْ يُعْطِي سَائِله مِنْ بَنِي آدَم مَا سَأَلَهُ , يَقُول : ضَعُفَ عَنْ ذَلِكَ وَعَجَزَ . وَالصَّوَاب مِنَ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدنَا مَا ذَكَرْته عَنِ ابْن عَبَّاس مِنْ أَنَّ مَعْنَاهُ : وَعَجَزَ الطَّالِب وَهُوَ الْآلِهَة أَنْ تَسْتَنْقِذ مِنَ الذُّبَاب مَا سَلَبَهَا إِيَّاهُ , وَهُوَ الطِّيب وَمَا أَشْبَهَهُ ; وَالْمَطْلُوب : الذُّبَاب . وَإِنَّمَا قُلْت هَذَا الْقَوْل أَوْلَى بِتَأْوِيلِ ذَلِكَ ; لِأَنَّ ذَلِكَ فِي سِيَاق الْخَبَر عَنِ الْآلِهَة وَالذُّبَاب , فَأَنْ يَكُون ذَلِكَ خَبَرًا عَمَّا هُوَ بِهِ مُتَّصِل أَشْبَه مِنْ أَنْ يَكُون خَبَرًا عَمَّا هُوَ عَنْهُ مُنْقَطِع . وَإِنَّمَا أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنِ الْآلِهَة بِمَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْهَا فِي هَذِهِ الْآيَة مِنْ ضَعْفهَا وَمَهَانَتهَا , تَقْرِيعًا مِنْهُ بِذَلِكَ عَبَدَتهَا مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْش , يَقُول تَعَالَى ذِكْره : كَيْفَ يُجْعَل مَثَل فِي الْعِبَادَة وَيُشْرَك فِيهَا مَعِي مَا لَا قُدْرَة لَهُ عَلَى خَلْق ذُبَاب , وَإِنْ أَخَذَ لَهُ الذُّبَاب فَسَلَبَهُ شَيْئًا عَلَيْهِ لَمْ يَقْدِر أَنْ يَمْتَنِع مِنْهُ وَلَا يَنْتَصِر , وَأَنَا الْخَالِق مَا فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَالِك جَمِيع ذَلِكَ , وَالْمُحْيِي مَنْ أَرَدْت وَالْمُمِيت مَا أَرَدْت وَمَنْ أَرَدْت . إِنَّ فَاعِل ذَلِكَ لَا شَكَّ أَنَّهُ فِي غَايَة الْجَهْل .