تفسير السعدي

سورة الحج الآية ٦٨

وَإِن جَٰدَلُوكَ فَقُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴿٦٨﴾
ولهذه أمره الله بالعدول عن جدالهم في هذة الحالة فقال: " وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ " أي: هو عالم بمقاصدكم, ونياتكم, فمجازيكم عليها وهو " يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ " .
فمن وافق الصراط المستقيم, فهو من أهل النعيم, ومن زاغ عنه, فهو من أهل الجحيم.
ومن تمام حكمه, أن يكون حكما بعلم, فلذلك ذكر إحاطة علمه, وإحاطة كتابه فقال:
وإن أصرُّوا على مجادلتك بالباطل فيما تدعوهم إليه فلا تجادلهم، بل قل لهم: الله أعلم بما تعملونه من الكفر والتكذيب، فهم معاندون مكابرون.
"وَإِنْ جَادَلُوك" فِي أَمْر الدِّين "فَقُلْ اللَّه أَعْلَم بِمَا تَعْمَلُونَ" فَيُجَازِيكُمْ عَلَيْهِ وَهَذَا قَبْل الْأَمْر بِالْقِتَالِ
وَقَوْله" وَإِنْ جَادَلُوك فَقُلْ اللَّه أَعْلَم بِمَا تَعْمَلُونَ " كَقَوْلِهِ" وَإِنْ كَذَّبُوك فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَل وَأَنَا بَرِيء مِمَّا تَعْمَلُونَ " وَقَوْله" اللَّه أَعْلَم بِمَا تَعْمَلُونَ " تَهْدِيد شَدِيد وَوَعِيد أَكِيد كَقَوْلِهِ " هُوَ أَعْلَم بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنكُمْ " .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ جَادَلُوك فَقُلِ اللَّه أَعْلَم بِمَا تَعْمَلُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَإِنْ جَادَلَك يَا مُحَمَّد هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ فِي نُسُكك , فَقُلْ : اللَّه أَعْلَم بِمَا تَعْمَلُونَ وَنَعْمَل . كَمَا : 19188 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد : { وَإِنْ جَادَلُوك } قَالَ : قَوْل أَهْل الشِّرْك : أَمَّا مَا ذَبَحَ اللَّه بِيَمِينِهِ . { فَقُلِ اللَّه أَعْلَم بِمَا تَعْمَلُونَ } لَنَا أَعْمَالنَا وَلَكُمْ أَعْمَالكُمْ .
أَيْ خَاصَمُوك يَا مُحَمَّد ; يُرِيد مُشْرِكِي مَكَّة .


يُرِيد مِنْ تَكْذِيبهمْ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; عَنْ اِبْن عَبَّاس . وَقَالَ مُقَاتِل : ( هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَة الْإِسْرَاء وَهُوَ فِي السَّمَاء السَّابِعَة لَمَّا رَأَى مِنْ آيَات رَبّه الْكُبْرَى ; فَأَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ ) " وَإِنْ جَادَلُوك " بِالْبَاطِلِ فَدَافِعْهُمْ بِقَوْلِك " اللَّه أَعْلَم بِمَا تَعْمَلُونَ " مِنْ الْكُفْر وَالتَّكْذِيب ; فَأَمَرَهُ اللَّه تَعَالَى بِالْإِعْرَاضِ عَنْ مُمَارَاتهمْ صِيَانَة لَهُ عَنْ الِاشْتِغَال بِتَعَنُّتِهِمْ ; وَلَا جَوَاب لِصَاحِبِ الْعِنَاد .
مشاركة الموضوع