تفسير السعدي

سورة الحج الآية ١٤

إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ﴿١٤﴾
لما ذكر تعالى المجادل بالباطل, وأنه على قسمين, مقلد, وداع ذكر أن المتسمي بالإيمان أيضا على قسمين, قسم لم يدخل الإيمان قلبه كما تقدم.
والقسم الثاني: المؤمن حقيقة, صدق ما معه من الإيمان بالأعمال الصالحة فأخبر تعالى أنه يدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار.
وسميت الجنة جنة, لاشتمالها على المنازل والقصور والأشجار والنباتات التي تجن من فيها, ويستتر بها, من كثرتها.
" إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ " فمهما أراده تعالى, فعله من غير ممانع ولا معارض.
ومن ذلك, إيصال أهل الجنة إليها, جعلنا الله منهم بمنه وكرمه.
إن الله يدخل الذين آمنوا بالله ورسوله، وثبتوا على ذلك، وعملوا الصالحات، جنات تجري من تحت أشجارها الأنهار، إن الله يفعل ما يريد من ثواب أهل طاعته تفضلا وعقاب أهل معصيته عدلا.
"إنَّ اللَّه يُدْخِل الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات" مِنْ الْفُرُوض وَالنَّوَافِل "جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار إنَّ اللَّه يَفْعَل مَا يُرِيد" مِنْ إكْرَام مَنْ يُطِيعهُ وَإِهَانَة مَنْ يَعْصِيه
لَمَّا ذَكَرَ أَهْل الضَّلَالَة الْأَشْقِيَاء عَطَفَ بِذِكْرِ الْأَبْرَار السُّعَدَاء مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا بِقُلُوبِهِمْ وَصَدَّقُوا إِيمَانهمْ بِأَفْعَالِهِمْ فَعَمِلُوا الصَّالِحَات مِنْ جَمِيع أَنْوَاع الْقُرُبَات وَتَرَكُوا الْمُنْكَرَات فَأَوْرَثَهُمْ ذَلِكَ سُكْنَى الدَّرَجَات الْعَالِيَات فِي رَوْضَات الْجَنَّات وَلَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى أَنَّهُ أَضَلَّ أُولَئِكَ وَهَدَى هَؤُلَاءِ قَالَ " إِنَّ اللَّه يَفْعَل مَا يُرِيد " .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ اللَّه يُدْخِل الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ اللَّه يُدْخِل الَّذِينَ صَدَقُوا اللَّه وَرَسُوله , وَعَمِلُوا بِمَا أَمَرَهُمْ اللَّه فِي الدُّنْيَا , وَانْتَهَوْا عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ فِيهَا { جَنَّات } يَعْنِي بَسَاتِين , { تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار } يَقُول : تَجْرِي الْأَنْهَار مِنْ تَحْت أَشْجَارهَا .

فَيُعْطِي مَا شَاءَ مِنْ كَرَامَته أَهْل طَاعَته وَمَا شَاءَ مِنَ الْهَوَان أَهْل مَعْصِيَته .
لَمَّا ذَكَرَ حَال الْمُشْرِكِينَ وَحَال الْمُنَافِقِينَ وَالشَّيَاطِين ذَكَرَ حَال الْمُؤْمِنِينَ فِي الْآخِرَة أَيْضًا .


أَيْ يُثِيب مَنْ يَشَاء وَيُعَذِّب مَنْ يَشَاء ; فَلِلْمُؤْمِنِينَ الْجَنَّة بِحُكْمِ وَعْده الصِّدْق وَبِفَضْلِهِ , وَلِلْكَافِرِينَ النَّار بِمَا سَبَقَ مِنْ عَدْله ; لَا أَنَّ فِعْل الرَّبّ مُعَلَّل بِفِعْلِ الْعَبِيد .
مشاركة الموضوع