تفسير السعدي

سورة الأنبياء الآية ٤

قَالَ رَبِّى يَعْلَمُ ٱلْقَوْلَ فِى ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ ۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ﴿٤﴾
" قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ " الخفي والجلي " فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ " أي: في جميع ما احتوت عليه أقطارهما " وَهُوَ السَّمِيعُ " لسائر الأصوات, باختلاف اللغات, على تفنن الحاجات " الْعَلِيمُ " بما في الضمائر, وأكنته السرائر.
رد النبي صلى الله عليه وسلم الأمرَ إلى ربه سبحانه وتعالى فقال: ربي يعلم القول في السماء والأرض، ويعلم ما أسررتموه من حديثكم، وهو السميع لأقوالكم، العليم بأحوالكم. وفي هذا تهديد لهم ووعيد.
"قَالَ" لَهُمْ "رَبِّي يَعْلَم الْقَوْل" كَائِنًا "فِي السَّمَاء وَالْأَرْض وَهُوَ السَّمِيع" لِمَا أَسَرُّوهُ "الْعَلِيم" بِهِ
" قَالَ رَبِّي يَعْلَم الْقَوْل فِي السَّمَاء وَالْأَرْض" أَيْ الَّذِي يَعْلَم ذَلِكَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَة وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ هَذَا الْقُرْآن الْمُشْتَمِل عَلَى خَبَر الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ الَّذِي لَا يَسْتَطِيع أَحَد أَنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ إِلَّا الَّذِي يَعْلَم السِّرّ فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض وَقَوْله" وَهُوَ السَّمِيع الْعَلِيم " أَيْ السَّمِيع لِأَقْوَالِكُمْ الْعَلِيم بِأَحْوَالِكُمْ وَفِي هَذَا تَهْدِيد لَهُمْ وَوَعِيد .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ رَبِّي يَعْلَم الْقَوْل فِي السَّمَاء وَالْأَرْض وَهُوَ السَّمِيع الْعَلِيم } . اِخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : " قُلْ رَبِّي " فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء أَهْل الْمَدِينَة وَالْبَصْرَة وَبَعْض الْكُوفِيِّينَ : " قُلْ رَبِّي " عَلَى وَجْه الْأَمْر . وَقَرَأَهُ بَعْض قُرَّاء مَكَّة وَعَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة : { قَالَ رَبِّي } عَلَى وَجْه الْخَبَر . وَكَأَنَّ الَّذِينَ قَرَءُوهُ عَلَى وَجْه الْأَمْر أَرَادُوا مِنْ تَأْوِيله : قُلْ يَا مُحَمَّد لِلْقَائِلِينَ { أَفَتَأْتُونَ السِّحْر وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ } رَبِّي يَعْلَم قَوْل كُلّ قَائِل فِي السَّمَاء وَالْأَرْض , لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْء ; وَهُوَ السَّمِيع لِذَلِكَ كُلّه وَلِمَا يَقُولُونَ مِنْ الْكَذِب , الْعَلِيم بِصِدْقِي وَحَقِيقَة مَا أَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ وَبَاطِل مَا تَقُولُونَ وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْأَشْيَاء كُلّهَا . وَكَأَنَّ الَّذِينَ قَرَءُوا ذَلِكَ قَالَ عَلَى وَجْه الْخَبَر أَرَادُوا : قَالَ مُحَمَّد : رَبِّي يَعْلَم الْقَوْل ; خَبَرًا مِنْ اللَّه عَنْ جَوَاب نَبِيّه إِيَّاهُمْ . وَالْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ فِي قِرَاءَة الْأَمْصَار , قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَة مِنْهُمَا عُلَمَاء مِنْ الْقُرَّاء , وَجَاءَتْ بِهِمَا مَصَاحِف الْمُسْلِمِينَ مُتَّفِقَتَا الْمَعْنَى ; وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه إِذَا أَمَرَ مُحَمَّدًا بِقِيلِ ذَلِكَ قَالَهُ , وَإِذَا قَالَهُ فَعَنْ أَمْر اللَّه قَالَهُ , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب الصَّوَاب فِي قِرَاءَته .
أَيْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْء مِمَّا يُقَال فِي السَّمَاء وَالْأَرْض . وَفِي مَصَاحِف أَهْل الْكُوفَة " قَالَ رَبِّي " أَيْ قَالَ مُحَمَّد رَبِّي يَعْلَم الْقَوْل ; أَيْ هُوَ عَالِم بِمَا تَنَاجَيْتُمْ بِهِ . وَقِيلَ : إِنَّ الْقِرَاءَة الْأُولَى أَوْلَى لِأَنَّهُمْ أَسَرُّوا هَذَا الْقَوْل فَأَظْهَرَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَمَرَهُ أَنْ يَقُول لَهُمْ هَذَا ; قَالَ النَّحَّاس : وَالْقِرَاءَتَانِ صَحِيحَتَانِ وَهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْآيَتَيْنِ , وَفِيهِمَا مِنْ الْفَائِدَة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمِرَ وَأَنَّهُ قَالَ كَمَا أُمِرَ .
مشاركة الموضوع