تفسير السعدي

سورة الأنبياء الآية ٢٣

لَا يُسْـَٔلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـَٔلُونَ ﴿٢٣﴾
" لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ " لعظمته وعزته, وكمال قدرته, لا يقدر أحد أن يمانعه أو يعارضه, لا بقول, ولا بفعل.
ولكمال حكمته ووضعه الأشياء مواضعها, وإتقانها, أحسن كل شيء يقدره العقل, فلا يتوجه إليه سؤال, لأن خلقه ليس فيه خلل ولا إخلال.
" وَهُمْ " أي: المخلوقين كلهم " يَسْأَلُونَ " عن أفعالهم وأقوالهم, لعجزهم وفقرهم, ولكونهم عبيدا, قد استحقت أفعالهم وحركاتهم فليس لهم من التصرف والتدبير في أنفسهم, ولا في غيرهم, مثقال ذرة.
إن من دلائل تفرُّده سبحانه بالخلق والعبادة أنه لا يُسأل عن قضائه في خلقه، وجميع خلقه يُسألون عن أفعالهم.
"لَا يُسْأَل عَمَّا يَفْعَل وَهُمْ يُسْأَلُونَ" عَنْ أَفْعَالهمْ
وَقَوْله " لَا يُسْأَل عَمَّا يَفْعَل وَهُمْ يُسْأَلُونَ " أَيْ هُوَ الْحَاكِم الَّذِي لَا مُعَقِّب لِحُكْمِهِ وَلَا يَعْتَرِض عَلَيْهِ أَحَد لِعَظَمَتِهِ وَجَلَاله وَكِبْرِيَائِهِ وَعِلْمه وَحِكْمَته وَعَدْله وَلُطْفه " وَهُمْ يُسْأَلُونَ " أَيْ وَهُوَ سَائِل خَلْقه عَمَّا يَعْمَلُونَ كَقَوْلِهِ " فَوَرَبِّك لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ " وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى " وَهُوَ يُجِير وَلَا يُجَار عَلَيْهِ " .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَا يُسْأَل عَمَّا يَفْعَل وَهُمْ يُسْأَلُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : لَا سَائِل يَسْأَل رَبّ الْعَرْش عَنْ الَّذِي يَفْعَل بِخَلْقِهِ مِنْ تَصْرِيفهمْ فِيمَا شَاءَ مِنْ حَيَاة وَمَوْت وَإِعْزَاز وَإِذْلَال وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ حُكْمه فِيهِمْ ; لِأَنَّهُمْ خَلْقه وَعَبِيده , وَجَمِيعهمْ فِي مُلْكه وَسُلْطَانه , وَالْحُكْم حُكْمه , وَالْقَضَاء قَضَاؤُهُ , لَا شَيْء فَوْقه يَسْأَلهُ عَمَّا يَفْعَل فَيَقُول لَهُ لِمَ فَعَلْت ؟ وَلِمَ لَمْ تَفْعَل ؟ { وَهُمْ يُسْأَلُونَ } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَجَمِيع مَنْ فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض مِنْ عِبَاده مَسْئُولُونَ عَنْ أَفْعَالهمْ , وَمُحَاسَبُونَ عَلَى أَعْمَالهمْ , وَهُوَ الَّذِي يَسْأَلهُمْ عَنْ ذَلِكَ وَيُحَاسِبهُمْ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ فَوْقهمْ وَمَالِكهمْ , وَهُمْ فِي سُلْطَانه . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18514 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { لَا يُسْأَل عَمَّا يَفْعَل وَهُمْ يُسْأَلُونَ } يَقُول : لَا يُسْأَل عَمَّا يَفْعَل بِعِبَادِهِ , وَهُمْ يُسْأَلُونَ عَنْ أَعْمَالهمْ . 18515 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَوْله : { لَا يُسْأَل عَمَّا يَفْعَل وَهُمْ يُسْأَلُونَ } قَالَ : لَا يُسْأَل الْخَالِق عَنْ قَضَائِهِ فِي خَلْقه , وَهُوَ يَسْأَل الْخَلْق عَنْ عَمَلهمْ . 18516 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { لَا يُسْأَل عَمَّا يَفْعَل وَهُمْ يُسْأَلُونَ } قَالَ : لَا يُسْأَل الْخَالِق عَمَّا يَقْضِي فِي خَلْقه , وَالْخَلْق مَسْئُولُونَ عَنْ أَعْمَالهمْ .
قَاصِمَة لِلْقَدَرِيَّةِ وَغَيْرهمْ . قَالَ اِبْن جُرَيْج : الْمَعْنَى لَا يَسْأَل الْخَلْق عَنْ قَضَائِهِ فِي خَلْقه وَهُوَ يُسْأَل الْخَلْق عَنْ عَمَلهمْ ; لِأَنَّهُمْ عَبِيد . بَيْن بِهَذَا أَنَّ مَنْ يُسْأَل غَدًا عَنْ أَعْمَاله كَالْمَسِيحِ وَالْمَلَائِكَة لَا يَصْلُح لِلْإِلَهِيَّةِ . وَقِيلَ : لَا يُؤَاخَذ عَلَى أَفْعَاله وَهُمْ يُؤَاخَذُونَ . وَرُوِيَ عَنْ عَلِيّ رَضِيَ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ : أَيُحِبُّ رَبّنَا أَنْ يُعْصَى ؟ قَالَ : أَفَيُعْصَى رَبّنَا قَهْرًا ؟ قَالَ : أَرَأَيْت إِنْ مَنَعَنِي . الْهُدَى وَمَنَحَنِي الرَّدَى أَأَحْسَنَ إِلَيَّ أَمْ أَسَاءَ ؟ قَالَ : إِنْ مَنَعَك حَقّك فَقَدْ أَسَاءَ , وَإِنْ مَنَعَك فَضْله فَهُوَ فَضْله يُؤْتِيه مَنْ يَشَاء . ثُمَّ تَلَا الْآيَة : " لَا يُسْأَل عَمَّا يَفْعَل وَهُمْ يُسْأَلُونَ " . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : لَمَّا بَعَثَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ مُوسَى وَكَلَّمَهُ , وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ التَّوْرَاة , قَالَ : اللَّهُمَّ إِنَّك رَبّ عَظِيم , لَوْ شِئْت أَنْ تُطَاع لَأُطِعْت , وَلَوْ شِئْت أَلَّا تُعْصَى مَا عُصِيت , وَأَنْتَ تُحِبّ أَنْ تُطَاع وَأَنْتَ فِي ذَلِكَ تُعْصَى فَكَيْفَ هَذَا يَا رَبّ ؟ فَأَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ : إِنِّي لَا أُسْأَل عَمَّا أَفْعَل وَهُمْ يُسْأَلُونَ .
مشاركة الموضوع