تفسير السعدي

سورة طه الآية ١٢٦

قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ ءَايَٰتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنسَىٰ ﴿١٢٦﴾
" قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا " بإعراضك عنها " وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى " أي تترك في العذاب.
فأجيب, بأن هذا هو عين عملك, والجزاء من جنس العمل.
فكما عميت عن ذكر ربك, وعشيت عنه, ونسيته, ونسيت حظك منه, أعمى الله بصرك في الآخرة, فحشرت إلى النار أعمى, أصم, أبكم, وأعرض عنك, ونسيك في العذاب.
قال الله تعالى له: حشرتك أعمى؛ لأنك أتتك آياتي البينات، فأعرضت عنها، ولم تؤمن بها، وكما تركتَها في الدنيا فكذلك اليوم تُترك في النار.
"قَالَ" الْأَمْر "كَذَلِكَ أَتَتْك آيَتنَا فَنَسِيتهَا" تَرَكْتهَا وَلَمْ تُؤْمِن بِهَا "وَكَذَلِكَ" مِثْل نِسْيَانك آيَاتنَا "الْيَوْم تُنْسَى" تُتْرَك فِي النَّار
" قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْك آيَاتنَا فَنَسِيتهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْم تُنْسَى " أَيْ لَمَّا أَعْرَضْت عَنْ آيَات اللَّه وَعَامَلْتهَا مُعَامَلَة مَنْ لَمْ يَذْكُرهَا بَعْد بَلَاغهَا إِلَيْك تَنَاسَيْتهَا وَأَعْرَضْت عَنْهَا وَأَغْفَلْتهَا كَذَلِكَ الْيَوْم نُعَامِلك مُعَامَلَة مَنْ يَنْسَاك " فَالْيَوْم نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاء يَوْمهمْ هَذَا " فَإِنَّ الْجَزَاء مِنْ جِنْس الْعَمَل . فَأَمَّا نِسْيَان لَفْظ الْقُرْآن مَعَ فَهْم مَعْنَاهُ وَالْقِيَام بِمُقْتَضَاهُ فَلَيْسَ دَاخِلًا فِي هَذَا الْوَعِيد الْخَاصّ وَإِنْ كَانَ مُتَوَعَّدًا عَلَيْهِ مِنْ جِهَة أُخْرَى قَالَهُ قَدْ وَرَدَتْ السُّنَّة بِالنَّهْيِ الْأَكِيد وَالْوَعِيد الشَّدِيد فِي ذَلِكَ قَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا خَلَف بْن الْوَلِيد حَدَّثَنَا خَالِد عَنْ يَزِيد بْن أَبِي زِيَاد عَنْ عِيسَى بْن فَائِد عَنْ رَجُل عَنْ سَعِيد بْن عُبَادَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَا مِنْ رَجُل قَرَأَ الْقُرْآن فَنَسِيَهُ إِلَّا لَقِيَ اللَّه يَوْم يَلْقَاهُ وَهُوَ أَجْذَم " ثُمَّ رَوَاهُ الْإِمَام أَحْمَد مِنْ حَدِيث يَزِيد بْن أَبِي زِيَاد عَنْ عِيسَى بْن فَائِد عَنْ عُبَادَة بْن الصَّامِت عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ مِثْله سَوَاء .
وَقَوْله : { قَالَ كَذَلكَ أَتَتْك آيَاتنَا فَنَسيتهَا } يَقُول تَعَالَى ذكْره , قَالَ اللَّه حينَئذٍ للْقَائل لَهُ : { لمَ حَشَرْتني أَعْمَى وَقَدْ كُنْت بَصيرًا } فَعَلْت ذَلكَ بك , فَحَشَرْتُك أَعْمَى كَمَا أَتَتْك آيَاتي , وَهيَ حُجَجه وَأَدلَّته وَبَيَانه الَّذي بَيَّنَهُ في كتَابه , فَنَسيتهَا : يَقُول : فَتَرَكْتهَا وَأَعْرَضْت عَنْهَا , وَلَمْ تُؤْمن بهَا , وَلَمْ تَعْمَل . وَعُنيَ بقَوْله { كَذَلكَ أَتَتْك } هَكَذَا أَتَتْك . وَقَوْله : { وَكَذَلكَ الْيَوْم تُنْسَى } يَقُول : فَكَمَا نَسيت آيَاتنَا في الدُّنْيَا , فَتَرَكْتهَا وَأَعْرَضْت عَنْهَا , فَكَذَلكَ الْيَوْم نَنْسَاك , فَنَتْرُكك في النَّار . وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْويل في مَعْنَى قَوْله { وَكَذَلكَ الْيَوْم تُنْسَى } فَقَالَ بَعْضهمْ بمثْل الَّذي قُلْنَا في ذَلكَ . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18432 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن إسْمَاعيل الْأَحْمَسيّ , قَالَ , ثنا مُحَمَّد بْن عُبَيْد , قَالَ : ثنا سُفْيَان الثَّوْريّ , عَنْ إسْمَاعيل بْن أَبي خَالد , عَنْ أَبي صَالح , في قَوْله : { وَكَذَلكَ الْيَوْم تُنْسَى } قَالَ : في النَّار . 18433 - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ ابْن أَبي نَجيح , عَنْ مُجَاهد , في قَوْله : { كَذَلكَ أَتَتْك آيَاتنَا فَنَسيتهَا } قَالَ : فَتَرَكَهَا { وَكَذَلكَ الْيَوْم تُنْسَى } وَكَذَلكَ الْيَوْم تُتْرَك في النَّار . وَرُويَ عَنْ قَتَادَة في ذَلكَ مَا . 18434 - حَدَّثَني بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة { قَالَ كَذَلكَ أَتَتْك آيَاتنَا فَنَسيتهَا وَكَذَلكَ الْيَوْم تُنْسَى } قَالَ : نَسيَ منْ الْخَيْر , وَلَمْ يَنْسَ منْ الشَّرّ . وَهَذَا الْقَوْل الَّذي قَالَهُ قَتَادَة قَريب الْمَعْنَى ممَّا قَالَهُ أَبُو صَالح وَمُجَاهد , لأَنَّ تَرْكه إيَّاهُمْ في النَّار أَعْظَم الشَّرّ لَهُمْ .
أَيْ قَالَ اللَّه تَعَالَى لَهُ " كَذَلِكَ أَتَتْك آيَاتنَا " أَيْ دَلَالَاتنَا عَلَى وَحْدَانِيّتنَا وَقُدْرَتنَا .


أَيْ تَرَكْتهَا وَلَمْ تَنْظُر فِيهَا , وَأَعْرَضْت عَنْهَا .


أَيْ تُتْرَك فِي الْعَذَاب ; يُرِيد جَهَنَّم .
مشاركة الموضوع