الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاَللَّه أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُون أُمَّهَاتكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْع وَالْأَبْصَار وَالْأَفْئِدَة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ مِنْ بَعْد مَا أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُون أُمَّهَاتكُمْ لَا تَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا تَعْلَمُونَ , فَرَزَقَكُمْ عُقُولًا تَفْقَهُونَ بِهَا وَتُمَيِّزُونَ بِهَا الْخَيْر مِنْ الشَّرّ وَبَصَّرَكُمْ بِهَا مَا لَمْ تَكُونُوا تُبْصِرُونَ , وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْع الَّذِي تَسْمَعُونَ بِهِ الْأَصْوَات , فَيَفْقَه بَعْضكُمْ عَنْ بَعْض مَا تَتَحَاوَرُونَ بِهِ بَيْنكُمْ وَالْأَبْصَار الَّتِي تُبْصِرُونَ بِهَا الْأَشْخَاص فَتَتَعَارَفُونَ بِهَا وَتُمَيِّزُونَ بِهَا بَعْضًا مِنْ بَعْض . { وَالْأَفْئِدَة } يَقُول : وَالْقُلُوب الَّتِي تَعْرِفُونَ بِهَا الْأَشْيَاء فَتَحْفَظُونَهَا وَتُفَكِّرُونَ فَتَفْقَهُونَ بِهَا . { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } يَقُول : فَعَلْنَا ذَلِكَ بِكُمْ , فَاشْكُرُوا اللَّه عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْكُمْ مِنْ ذَلِكَ , دُون الْآلِهَة وَالْأَنْدَاد , فَجَعَلْتُمْ لَهُ شُرَكَاء فِي الشُّكْر , وَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِيمَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْكُمْ مِنْ نِعَمه شَرِيك . وَقَوْله : { وَاَللَّه أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُون أُمَّهَاتكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا } كَلَام مُتَنَاهٍ , ثُمَّ اُبْتُدِئَ الْخَبَر , فَقِيلَ : وَجَعَلَ اللَّه لَكُمْ السَّمْع وَالْأَبْصَار وَالْأَفْئِدَة . وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ كَذَلِكَ , لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره جَعَلَ الْعِبَادَة وَالسَّمْع وَالْأَبْصَار وَالْأَفْئِدَة قَبْل أَنْ يُخْرِجهُمْ مِنْ بُطُون أُمَّهَاتهمْ , وَإِنَّمَا أَعْطَاهُمْ الْعِلْم وَالْعَقْل بَعْد مَا أَخْرَجَهُمْ مِنْ بُطُون أُمَّهَاتهمْ .