تفسير السعدي

سورة إبراهيم الآية ٦

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَىٰكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ ۚ وَفِى ذَٰلِكُم بَلَآءٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌۭ ﴿٦﴾
فإنه يستدل بأيامه, على كمال قدرته, وعميم إحسانه, وتمام عدله وحكمته.
ولهذا امتثل موسى عليه السلام أمر ربه, فذكرهم نعم الله فقال: " اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ " أي: بقلوبكم وألسنتكم.
" إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ " أي: يولونكم " سُوءَ الْعَذَابِ " أي أشده, وفسر ذلك بقوله: " وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ " أي: يبقونهن فلا يقتلونهن.
" وَفِي ذَلِكُمْ " الإنجاء " بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ " أي: نعمة عظيمة.
أو في ذلكم العذاب, الذي ابتليتم به من فرعون وملأه ابتلاء من الله عظيم لكم, لينظر هل تعتبرون أم لا؟
واذكر -أيها الرسول- لقومك قصة موسى حين قال لبني إسرائيل: اذكروا نعمة الله عليكم حين أنجاكم من فرعون وأتباعه يذيقونكم أشد العذاب، ويذبِّحون أبناءكم الذكور، حتى لا يأتي منهم من يستولي على مُلْك فرعون، ويبقون الإناث على قيد الحياة ذليلات، وفي ذلكم البلاء والإنجاء اختبار لكم من ربكم عظيم.
"و" اُذْكُرْ "إذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اُذْكُرُوا نِعْمَة اللَّه عَلَيْكُمْ إذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آل فِرْعَوْن يَسُومُونَكُمْ سُوء الْعَذَاب وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ" الْمَوْلُودِينَ "وَيَسْتَحْيُونَ" يَسْتَبْقُونَ "نِسَاءَكُمْ" لِقَوْلِ بَعْض الْكَهَنَة إنَّ مَوْلُودًا يُولَد فِي بَنِي إسْرَائِيل يَكُون سَبَب ذَهَاب مُلْك فِرْعَوْن "وَفِي ذَلِكُمْ" الْإِنْجَاء أَوْ الْعَذَاب "بَلَاء" إنْعَام أَوْ ابْتِلَاء
يَقُول تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ مُوسَى حِين ذَكَّرَ قَوْمه بِأَيَّامِ اللَّه عِنْدهمْ وَنِعَمه عَلَيْهِمْ إِذْ أَنْجَاهُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْن وَمَا كَانُوا يَسُومُونَهُمْ بِهِ مِنْ الْعَذَاب وَالْإِذْلَال حَيْثُ كَانُوا يُذَبِّحُونَ مَنْ وُجِدَ مِنْ أَبْنَائِهِمْ وَيَتْرُكُونَ إِنَاثَهُمْ فَأَنْقَذَهُمْ اللَّه مِنْ ذَلِكَ وَهَذِهِ نِعْمَة عَظِيمَة وَلِهَذَا قَالَ " وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاء مِنْ رَبّكُمْ عَظِيم " أَيْ نِعْمَة عَظِيمَة مِنْهُ عَلَيْكُمْ فِي ذَلِكَ أَنْتُمْ عَاجِزُونَ عَنْ الْقِيَام بِشُكْرِهَا . وَقِيلَ : وَفِيمَا كَانَ يَصْنَعهُ بِكُمْ قَوْم فِرْعَوْن مِنْ تِلْكَ الْأَفَاعِيل" بَلَاء " أَيْ اِخْتِبَار عَظِيم وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد هَذَا وَهَذَا وَاَللَّه أَعْلَم كَقَوْلِهِ تَعَالَى " وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَات لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ " .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اُذْكُرُوا نِعْمَة اللَّه عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آل فِرْعَوْن يَسُومُونَكُمْ سُوء الْعَذَاب وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّد إِذْ قَالَ مُوسَى بْن عِمْرَان لِقَوْمِهِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل : { اُذْكُرُوا نِعْمَة اللَّه عَلَيْكُمْ } الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْكُمْ { إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آل فِرْعَوْن } يَقُول : حِين أَنْجَاكُمْ مِنْ أَهْل دِين فِرْعَوْن وَطَاعَته . { يَسُومُونَكُمْ سُوء الْعَذَاب } : أَيْ يُذِيقُونَكُمْ شَدِيد الْعَذَاب . { وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ } وَأُدْخِلَتْ الْوَاو فِي هَذَا الْمَوْضِع لِأَنَّهُ أُرِيدَ بِقَوْلِهِ : { وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ } الْخَبَر عَنْ أَنَّ آل فِرْعَوْن كَانُوا يُعَذِّبُونَ بَنِي إِسْرَائِيل بِأَنْوَاعٍ مِنْ الْعَذَاب غَيْر التَّذْبِيح وَبِالتَّذْبِيحِ . وَأَمَّا فِي مَوْضِع آخَر مِنْ الْقُرْآن , فَإِنَّهُ جَاءَ بِغَيْرِ الْوَاو : { يَسُومُونَكُمْ سُوء الْعَذَاب يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ } فِي مَوْضِع ; وَفِي مَوْضِع : { يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ } , وَلَمْ تَدْخُل الْوَاو فِي الْمَوَاضِع الَّتِي لَمْ تَدْخُل فِيهَا لِأَنَّهُ أُرِيدَ بِقَوْلِهِ : { يُذَبِّحُونَ } وَبِقَوْلِهِ : { يُقَتِّلُونَ } تَبْيِينه صِفَات الْعَذَاب الَّذِي كَانُوا يَسُومُونَهُمْ , وَكَذَلِكَ الْعَمَل فِي كُلّ جُمْلَة أُرِيدَ تَفْصِيلهَا فَبِغَيْرِ الْوَاو تَفْصِيلهَا , وَإِذَا أُرِيدَ الْعَطْف عَلَيْهَا بِغَيْرِهَا وَغَيْر تَفْصِيلهَا فَالْوَاو . 15604 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا إِسْحَاق , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر , عَنْ اِبْن عُيَيْنَة , فِي قَوْله : { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اُذْكُرُوا نِعْمَة اللَّه عَلَيْكُمْ } : أَيَادِي اللَّه عِنْدكُمْ وَأَيَّامه .

وَقَوْله : { وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ } يَقُول : وَيُبْقُونَ نِسَاءَكُمْ فَيَتْرُكُونَ قَتْلهنَّ ; وَذَلِكَ اِسْتِحْيَاؤُهُمْ كَانَ إِيَّاهُنَّ . وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع , وَمَعْنَاهُ : يَتْرُكُونَهُمْ , وَالْحَيَاة : هِيَ التَّرْك . وَمِنْهُ الْخَبَر الَّذِي رُوِيَ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " اُقْتُلُوا شُيُوخ الْمُشْرِكِينَ وَاسْتَحْيُوا شَرْخهمْ " بِمَعْنَى : اِسْتَبْقُوهُمْ فَلَا تَقْتُلُوهُمْ . { وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاء مِنْ رَبّكُمْ عَظِيم } يَقُول تَعَالَى : وَفِيمَا يَصْنَع بِكُمْ آل فِرْعَوْن مِنْ أَنْوَاع الْعَذَاب بَلَاء لَكُمْ مِنْ رَبّكُمْ عَظِيم : أَيْ اِبْتِلَاء وَاخْتِبَار لَكُمْ مِنْ رَبّكُمْ عَظِيم . وَقَدْ يَكُون الْبَلَاء فِي هَذَا الْمَوْضِع نَعْمَاء , وَقَدْ يَكُون مَعْنَاهُ : مِنْ الْبَلَاء الَّذِي قَدْ يُصِيب النَّاس فِي الشَّدَائِد وَغَيْرهَا .
وَ " إِذْ أَنْجَاكُمْ " " إِذْ " فِي مَوْضِع نَصْب عَطْف عَلَى " اُذْكُرُوا نِعْمَتِي " وَهَذَا وَمَا بَعْده تَذْكِير بِبَعْضِ النِّعَم الَّتِي كَانَتْ لَهُ عَلَيْهِمْ أَيْ اُذْكُرُوا نِعْمَتِي بِأَنْ نَجَّاكُمْ مِنْ عَدُوّكُمْ وَجَعَلَ الْأَنْبِيَاء فِيكُمْ وَالْخِطَاب لِلْمَوْجُودِينَ وَالْمُرَاد مَنْ سَلَفَ مِنْ الْآبَاء كَمَا قَالَ " إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاء حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَة " [ الْحَاقَّة : 10 ] أَيْ حَمَلْنَا أَبَاءَكُمْ وَقِيلَ إِنَّمَا قَالَ " نَجَّيْنَاكُمْ " لِأَنَّ نَجَاة الْآبَاء كَانَتْ سَبَبًا لِنَجَاةِ هَؤُلَاءِ الْمَوْجُودِينَ , وَمَعْنَى " نَجَّيْنَاكُمْ " أَلْقَيْنَاكُمْ عَلَى نَجْوَة مِنْ الْأَرْضَى وَهِيَ مَا اِرْتَفَعَ مِنْهَا هَذَا هُوَ الْأَصْل ثُمَّ سَمَّى كُلّ فَائِز نَاجِيًا فَالنَّاجِي مَنْ خَرَجَ مِنْ ضِيق إِلَى سَعَة وَقُرِئَ " وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ " عَلَى التَّوْحِيد




" آل فِرْعَوْن " قَوْمه وَأَتْبَاعه وَأَهْل دِينه وَكَذَلِكَ آل الرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ هُوَ عَلَى دِينه وَمِلَّته فِي عَصْره وَسَائِر الْأَعْصَار سَوَاء كَانَ نَسِيبًا لَهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى دِينه وَمِلَّته فَلَيْسَ مِنْ آلِهِ وَلَا أَهْله وَإِنْ كَانَ نَسِيبه وَقَرِيبه خِلَافًا لِلرَّافِضَةِ حَيْثُ قَالَتْ إِنَّ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاطِمَة وَالْحَسَن وَالْحُسَيْن فَقَطْ دَلِيلنَا قَوْله تَعَالَى " وَأَغْرَقْنَا آل فِرْعَوْن " [ الْبَقَرَة : 50 ] " أَدْخِلُوا آل فِرْعَوْن أَشَدّ الْعَذَاب " [ غَافِر : 46 ] أَيْ آل دِينه إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ اِبْن وَلَا بِنْت وَلَا أَب وَلَا عَمّ وَلَا عَمَّة وَلَا عَصَبَة وَلِأَنَّهُ لَا خِلَاف أَنَّ مَنْ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ وَلَا مُوَحِّد فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ آل مُحَمَّدُو إِنْ كَانَ قَرِيبًا لَهُ وَلِأَجْلِ هَذَا يُقَال إِنَّ أَبَا لَهَب وَأَبَا جَهْل لَيْسَا مِنْ آلِهِ وَلَا مِنْ أَهْله وَإِنْ كَانَ بَيْنهمَا وَبَيْن النَّبِيّ صَلِّي اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَابَة وَلِأَجْلِ هَذَا قَالَ اللَّه تَعَالَى فِي اِبْن نُوح " إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلك إِنَّهُ عَمَل غَيْر صَالِح " [ هُود : 46 ] وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ عَمْرو بْن الْعَاص قَالَ سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِهَارًا غَيْر سِرّ يَقُول " أَلَا إِنَّ آلَ أَبِي يَعْنِي فُلَانًا لَيْسُوا لِي بِأَوْلِيَاء إِنَّمَا وَلِيِّي اللَّه وَصَالِح الْمُؤْمِنِينَ " وَقَالَتْ طَائِفَة آلُ مُحَمَّد أَزْوَاجه وَذُرِّيَّته خَاصَّة لِحَدِيثِ أَبِي حُمَيْد السَّاعِدِيّ أَنَّهُمْ قَالُوا يَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَيْف نُصَلِّي عَلَيْك قَالَ " قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى أَزْوَاجه وَذُرِّيَّته كَمَا صَلَّيْت عَلَى آل إِبْرَاهِيم وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى أَزْوَاجه وَذُرِّيَّته كَمَا بَارَكْت عَلَى آل إِبْرَاهِيم إِنَّك حَمِيد مَجِيد " رَوَاهُ مُسْلِم وَقَالَتْ طَائِفَة مِنْ أَهْل الْعِلْم الْأَهْل مَعْلُوم وَالْآل الْأَتْبَاع وَالْأَوَّل أَصَحّ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَلِحَدِيثِ عَبْد اللَّه بْن أَبِي أَوْفَى أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَتَاهُ قَوْم بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ ( اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِمْ ) فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَتِهِ فَقَالَ ( اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آل أَبِي أَوْفَى )

اِخْتَلَفَ النُّحَاة هَلْ يُضَاف الْآل إِلَى الْبُلْدَان أَوْ لَا فَقَالَ الْكِسَائِيّ إِنَّمَا يُقَال آلُ فُلَان وَآلُ فُلَانَة وَلَا يُقَال فِي الْبُلْدَان هُوَ مِنْ آلِ حِمْص وَلَا مِنْ آلِ الْمَدِينَة قَالَ الْأَخْفَش إِنَّمَا يُقَال فِي الرَّئِيس الْأَعْظَم نَحْو آلِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآلِ فِرْعَوْن لِأَنَّهُ رَئِيسهمْ فِي الضَّلَالَة قَالَ وَقَدْ سَمِعْنَاهُ فِي الْبُلْدَان قَالُوا أَهْل الْمَدِينَة وَآل الْمَدِينَة

وَاخْتَلَفَ النُّحَاة أَيْضًا هَلْ يُضَاف الْآل إِلَى الْمُضْمَر أَوْ لَا فَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ النَّحَّاس وَالزُّبَيْدِيّ وَالْكِسَائِيّ فَلَا يُقَال إِلَّا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآل مُحَمَّد وَلَا يُقَال وَآل وَالصَّوَاب إِنْ يُقَال أَهْله وَذَهَبَتْ طَائِفَة أُخْرَى إِلَى أَنَّ ذَلِكَ يُقَال مِنْهُمْ اِبْن السَّيِّد وَهُوَ لَدُرّ الصَّوَاب لِأَنَّ السَّمَاع الصَّحِيح يُعَضِّدهُ فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي قَوْل عَبْد الْمُطَلِّب لَاهُمَّ إِنَّ الْعَبْد يَمْن عُ رَحْله فَامْنَعْ رِحَالك وَانْصُرْ عَلَى آل الصَّلِي بِ وَعَابِدِيهِ الْيَوْم آلَك وَقَالَ نُدْبَة أَنَا الْفَارِس الْحَامِي حَقِيقَة وَالِدِي وَآلِي كَمَا تَحْمِي حَقِيقَة آلِكَا الْحَقِيقَة [ بِقَافَيْنِ ] مَا يَحِقّ عَلَى الْإِنْسَان أَنْ يَحْمِيه أَيْ تَجِب عَلَيْهِ حِمَايَته

وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي أَصْل آل فَقَالَ النَّحَّاس أَصْله أَهْل ثُمَّ أُبْدِلَ مِنْ الْهَاء فَإِنْ صَغَّرْته رَدَدْته إِلَى أَصْله فَقُلْت أُهَيْل وَقَالَ الْمَهْدَوِيّ أَصْله أَوْل وَقِيلَ أَهْل قُلِبَتْ الْهَاء هَمْزَة ثُمَّ أُبْدِلَتْ الْهَمْزَة أَلِفًا وَجَمْعه آلُونَ وَتَصْغِيره أُوَيْل فِيمَا حَكَى الْكِسَائِيّ وَحَكَى غَيْره أُهَيْل وَقَدْ ذَكَرْنَا عَنْ النَّحَّاس وَقَالَ أَبُو الْحَسَن بْن كَيْسَان إِذَا جَمَعْت آلًا قُلْت آلَوَان فَإِنْ جَمَعْت آلًا الَّذِي هُوَ السَّرَاب قُلْت آوَال مِثْل مَال وَأَمْوَال . " فِرْعَوْن " قِيلَ إِنَّهُ اِسْم ذَلِكَ الْمَلِك بِعَيْنِهِ وَقِيلَ اِسْم كُلّ مَلَك مِنْ مُلُوك الْعَمَالِقَة مِثْل كِسْرَى لِلْفُرْسِ وَقَيْصَر لِلرُّومِ وَالنَّجَاشِيّ لِلْحَبَشَةِ وَإِنَّ اِسْم فِرْعَوْن مُوسَى قَابُوس فِي قَوْل أَهْل الْكِتَاب وَقَالَ وَهْب اِسْمه الْوَلِيد بْن مُصْعَب بْن الرَّيَّان وَيُكَنَّى أَبَا مُرَّة وَهُوَ مِنْ بَنِي عِمْلِيقِ بْن لَاوَذَ بْنِ إِرَم بْن سَام بْن نُوح عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ السُّهَيْلِيّ وَكُلّ مَنْ وَلِيَ الْقِبْط وَمِصْر فَهُوَ فِرْعَوْن وَكَانَ فَارِسِيًّا مِنْ أَهْل اِصْطَخْر قَالَ الْمَسْعُودِيّ لَا يُعْرَف لِفِرْعَوْن تَفْسِير بِالْعَرَبِيَّةِ قَالَ الْجَوْهَرِيّ فِرْعَوْن لَقَب الْوَلِيد بْن مُصْعَب مَلِك مِصْر وَكُلّ عَاتٍ فِرْعَوْن وَالْعُتَاة الْفَرَاعِنَة وَقَدْ تَفَرْعَنَ وَهُوَ ذُو فَرْعَنَة أَيْ دَهَاء وَنُكُر وَفِي الْحَدِيث ( أَخَذْنَا فِرْعَوْن هَذِهِ الْأُمَّة ) " وَفِرْعَوْن " فِي مَوْضِع خَفْض إِلَّا أَنَّهُ لَا يَنْصَرِف لِعُجْمَتِهِ


قِيلَ مَعْنَاهُ يُذِيقُونَكُمْ وَيُلْزِمُونَكُمْ إِيَّاهُ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة يُولُونَكُمْ يُقَال سَامَهُ خُطَّة خَسْف إِذَا أَوْلَاهُ إِيَّاهَا وَمِنْهُ قَوْل عَمْرو بْن كُلْثُوم إِذَا مَا الْمَلْك سَامَ النَّاس خَسْفًا أَبَيْنَا أَنْ نُقِرّ الْخَسْف فِينَا وَقِيلَ يُدِيمُونَ تَعْذِيبكُمْ وَالسَّوْم الدَّوَام وَمِنْهُ سَائِمَة الْغَنَم لِمُدَاوَمَتِهَا الرَّعْي قَالَ وَهُوَ فِي مَوْضِع رَفْع عَلَى الِابْتِدَاء وَإِنْ شِئْت كَانَ فِي مَوْضِع نَصْب غَلَى الْحَال أَيْ سَائِمِينَ لَكُمْ



مَفْعُول ثَانٍ لَهُ " يَسُومُونَكُمْ " وَمَعْنَاهُ أَشَدّ الْعَذَاب وَيَجُوز أَنْ يَكُون بِمَعْنَى سَوْم الْعَذَاب وَقَدْ يَجُوز أَنْ يَكُون نَعْتًا بِمَعْنَى سَوْمًا سَيِّئًا فَرُوِيَ أَنَّ فِرْعَوْن جَعَلَ بَنِي إِسْرَائِيل خَدَمًا وَخَوَلًا وَصَنَّفَهُمْ فِي أَعْمَاله فَصِنْف يَبْنُونَ وَصِنْف يَحْرُثُونَ وَيَزْرَعُونَ وَصِنْف يَتَخَدَّمُونَ وَكَانَ قَوْمه جُنْدًا مُلُوكًا وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ فِي عَمَل مِنْ هَذِهِ الْأَعْمَال ضُرِبَتْ عَلَيْهِ الْجِزْيَة فَذَلِكَ سُوء الْعَذَاب .



" وَيُذَبِّحُونَ " بِالْوَاوِ لِأَنَّ الْمَعْنَى يُعَذِّبُونَكُمْ بِالذَّبْحِ وَبِغَيْرِ الذَّبْح فَقَوْلُهُ " وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ " جِنْس آخَر مِنْ الْعَذَاب لَا تَفْسِير لِمَا قَبْله وَاَللَّه أَعْلَم قُلْت قَدْ يَحْتَمِل أَنْ يُقَال إِنَّ الْوَاو زَائِدَة بِدَلِيلِ سُورَة " الْبَقَرَة " وَالْوَاو قَدْ تُزَاد كَمَا قَالَ فَلَمَّا أَجَزْنَا سَاحَة الْحَيّ وَانْتَحَى أَيْ قَدْ اِنْتَحَى وَقَالَ آخَر إِلَى الْمَلِك الْقَرْم وَابْن الْهُمَام وَلَيْث الْكَتِيبَة فِي الْمُزْدَحَم أَرَادَ إِلَى الْمَلِك الْقَرْم اِبْن الْهُمَام لَيْث الْكَتِيبَة وَهُوَ كَثِير


إِشَارَة إِلَى جُمْلَة الْأَمْر إِذْ هُوَ خَبَر فَهُوَ كَمُنْفَرِدٍ حَاضِر أَيْ وَفِي فِعْلهمْ ذَلِكَ بِكُمْ بَلَاء أَيْ اِمْتِحَان وَاخْتِبَار وَ " بَلَاء " نِعْمَة وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى " وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاء حَسَنًا " [ الْأَنْفَال : 17 ] قَالَ أَبُو الْهَيْثَم الْبَلَاء يَكُون حَسَنًا وَيَكُون سَيِّئًا وَأَصْله الْمِحْنَة وَاَللَّه عَزَّ وَجَلَّ يَبْلُو عَبْده بِالصُّنْعِ الْجَمِيل لِيَمْتَحِن شُكْره وَيَبْلُوا بِالْبَلْوَى الَّتِي يَكْرَههَا لِيَمْتَحِن صَبْره فَقِيلَ لِلْحَسَنِ بَلَاء وَلِلسَّيِّئِ بَلَاء حَكَاهُ الْهَرَوِيّ وَقَالَ قَوْم الْإِشَارَة بِ " ذَلِكُمْ " إِلَى التَّنْجِيَة فَيَكُون الْبَلَاء عَلَى هَذَا فِي الْخَيْر أَيْ تَنْجِيَتكُمْ نِعْمَة مِنْ اللَّه عَلَيْكُمْ وَقَالَ الْجُمْهُور الْإِشَارَة إِلَى الذَّبْح وَنَحْوه وَالْبَلَاء هُنَا فِي الشَّرّ وَالْمَعْنَى وَفِي الذَّبْح مَكْرُوه وَامْتِحَان وَقَالَ اِبْن كَيْسَان وَيُقَال فِي الْخَيْر أَبْلَاهُ اللَّه وَبَلَاهُ وَأَنْشَدَ جَزَى اللَّه بِالْإِحْسَانِ مَا فَعَلَا بِكُمْ وَأَبْلَاهُمَا خَيْر الْبَلَاء الَّذِي يَبْلُو فَجَمَعَ بَيْن اللُّغَتَيْنِ وَالْأَكْثَر فِي الْخَيْر أَبْلَيْته وَفِي الشَّرّ بَلَوْته وَفِي الِاخْتِبَار أَبْلَيْته وَبَلَوْته قَالَهُ النَّحَّاس .
مشاركة الموضوع