تفسير السعدي

سورة إبراهيم الآية ٤٩

وَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍۢ مُّقَرَّنِينَ فِى ٱلْأَصْفَادِ ﴿٤٩﴾
" وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ " أي: الذين وصفهم الإجرام, وكثرة الذنوب.
" يَوْمَئِذٍ " في ذلك اليوم " مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ " أي: يسلسل كل أهل عمل من المجرمين, بسلاسل من نار, فيقادون إلى العذاب, في أذل صورة وأشنعها, وأبشعها.
وتُبْصِرُ -أيها الرسول- المجرمين يوم القيامة مقيدين بالقيود، قد قُرِنت أيديهم وأرجلهم بالسلاسل، وهم في ذُلٍّ وهوان.
"وَتَرَى" يَا مُحَمَّد تُبْصِر "الْمُجْرِمِينَ" الْكَافِرِينَ "يَوْمئِذٍ مُقَرَّنِينَ" مَشْدُودِينَ مَعَ شَيَاطِينهمْ "فِي الْأَصْفَاد" الْقُيُود أَوْ الْأَغْلَال
يَقُول تَعَالَى " يَوْم تُبَدَّل الْأَرْض غَيْر الْأَرْض وَالسَّمَاوَات" وَتَبْرُز الْخَلَائِق لِدَيَّانِهَا تَرَى يَا مُحَمَّد يَوْمئِذٍ الْمُجْرِمِينَ وَهُمْ الَّذِينَ أَجْرَمُوا بِكُفْرِهِمْ وَفَسَادهمْ" مُقَرَّنِينَ " أَيْ بَعْضهمْ إِلَى بَعْض قَدْ جُمِعَ بَيْن النُّظَرَاء أَوْ الْأَشْكَال مِنْهُمْ كُلّ صِنْف إِلَى صِنْف كَمَا قَالَ تَعَالَى" اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ " وَقَالَ " وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ " وَقَالَ " وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا " وَقَالَ " وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ" وَالْأَصْفَاد هِيَ الْقُيُود قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَالْأَعْمَش وَعَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد وَهُوَ مَشْهُور فِي اللُّغَة قَالَ عَمْرو بْن كُلْثُوم فَآبَوْا بِالثِّيَابِ وَبِالسَّبَايَا وَأُبْنَا بِالْمُلُوكِ مُصَفَّدِينَا
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَاد } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَتُعَايِن الَّذِينَ كَفَرُوا بِاَللَّهِ , فَاجْتَرَمُوا فِي الدُّنْيَا الشِّرْك يَوْمئِذٍ , يَعْنِي : يَوْم تُبَدَّل الْأَرْض غَيْر الْأَرْض وَالسَّمَاوَات . { مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَاد } يَقُول : مُقَرَّنَة أَيْدِيهمْ وَأَرْجُلهمْ إِلَى رِقَابهمْ بِالْأَصْفَادِ , وَهِيَ الْوَثَاق مِنْ غُلّ وَسِلْسِلَة , وَاحِدهَا : صَفَد , يُقَال مِنْهُ : صَفَدْته فِي الصَّفَد صَفْدًا وَصِفَادًا , وَالصِّفَاد : الْقَيْد , وَمِنْهُ قَوْل عَمْرو بْن كُلْثُوم . فَآبُوا بِالنِّهَابِ وَبِالسَّبَايَا وَأُبْنَا بِالْمُلُوكِ مُصَفَّدِينَا وَمَنْ جَعَلَ الْوَاحِد مِنْ ذَلِكَ صِفَادًا جَمَعَهُ : صُفُدًا لَا أَصْفَادًا . وَأَمَّا مِنْ الْعَطَاء , فَإِنَّهُ يُقَال مِنْهُ : أَصْفَدْته إِصْفَادًا , كَمَا قَالَ الْأَعْشَى : تَضَيَّفْتُهُ يَوْمًا فَأَكْرَمَ مَجْلِسِي وَأَصْفَدَنِي عِنْد الزَّمَانَة قَائِدَا وَقَدْ قِيلَ فِي الْعَطَاء أَيْضًا : صَفَدَنِي صَفْدًا , كَمَا قَالَ النَّابِغَة الذُّبْيَانِيّ : هَذَا الثَّنَاء فَإِنْ تَسْمَع لِقَائِلِهِ فَمَا عَرَضْت أَبَيْت اللَّعْن بِالصَّفَدِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى قَوْله : { مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَاد } قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 15854 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنِي عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَاد } يَقُول : فِي وَثَاق . 15855 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عِيسَى الدَّامَغَانِيّ , قَالَ : ثَنَا اِبْن الْمُبَارَك , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك , قَالَ : الْأَصْفَاد : السَّلَاسِل 15856 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَاد } قَالَ : مُقَرَّنِينَ فِي الْقُيُود وَالْأَغْلَال . 15857 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا عَلِيّ بْن هَاشِم بْن الْبَرِيد , قَالَ : سَمِعْت الْأَعْمَش , يَقُول : الصَّفَد : الْقَيْد. 15858 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَاد } قَالَ : صُفِّدَتْ فِيهَا أَيْدِيهمْ وَأَرْجُلهمْ وَرِقَابهمْ , وَالْأَصْفَاد : الْأَغْلَال .
وَهُمْ الْمُشْرِكُونَ .


أَيْ يَوْم الْقِيَامَة .


أَيْ مَشْدُودِينَ



وَهِيَ الْأَغْلَال وَالْقُيُود , وَاحِدهَا صَفْد وَصَفَد . وَيُقَال : صَفَدْته صَفْدًا أَيْ قَيَّدْته وَالِاسْم الصَّفَد , فَإِذَا أَرَدْت التَّكْثِير قُلْت : صَفَّدْته تَصْفِيدًا ; قَالَ عَمْرو بْن كُلْثُوم : فَآبُوا بِالنِّهَابِ وَبِالسَّبَايَا وَأُبْنَا بِالْمُلُوكِ مُصَفَّدِينَا أَيْ مُقَيَّدِينَا . وَقَالَ حَسَّان : مِنْ كُلّ مَأْسُور يُشَدّ صِفَاده صَقْر إِذَا لَاقَى الْكَرِيهَة حَامِ أَيْ غُلّه , وَأَصْفَدْته إِصْفَادًا أَعْطَيْته . وَقِيلَ : صَفَدْته وَأَصْفَدْته جَارِيَانِ فِي الْقَيْد وَالْإِعْطَاء جَمِيعًا ; قَالَ النَّابِغَة : فَلَمْ أُعَرِّض أَبَيْت اللَّعْن بِالصَّفَدِ فَالصُّفَد الْعَطَاء ; لِأَنَّهُ يُقَيِّد وَيُعَبِّد , قَالَ أَبُو الطَّيِّب : وَقَيَّدْت نَفْسِي فِي ذَرَاك مَحَبَّة وَمَنْ وَجَدَ الْإِحْسَان قَيْدًا تَقَيَّدَا قِيلَ : يُقْرَن كُلّ كَافِر مَعَ شَيْطَان فِي غُلّ , بَيَانه قَوْله : " اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجهمْ " [ الصَّافَّات : 22 ] يَعْنِي قُرَنَاءَهُمْ مِنْ الشَّيَاطِين . وَقِيلَ : إِنَّهُمْ الْكُفَّار يُجْمَعُونَ فِي الْأَصْفَاد كَمَا اِجْتَمَعُوا فِي الدُّنْيَا عَلَى الْمَعَاصِي .
مشاركة الموضوع