تفسير السعدي

سورة يوسف الآية ٩٦

فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلْبَشِيرُ أَلْقَىٰهُ عَلَىٰ وَجْهِهِۦ فَٱرْتَدَّ بَصِيرًۭا ۖ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّىٓ أَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿٩٦﴾
" فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ " بقرب الاجتماع بيوسف وإخوته وأبيهم.
" أَلْقَاهُ " أي: القميص " عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا " أي: رجع إلى حاله الأولى بصيرا, بعد أن ابيضت عيناه من الحزن.
فقال لمن حضره من أولاده وأهله, الذي كانوا يفندون رأيه, ويتعجبون منه منتصرا عليهم, مغتبطا بنعمة الله عليه: " أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ " حيث كنت مترجيا للقاء يوسف, مترقبا لزوال الهم والغم والحزن.
فلما أن جاء من يُبشِّر يعقوب بأن يوسف حيٌّ، وطرح قميص يوسف على وجهه فعاد يعقوب مبصرًا، وعمَّه السرور فقال لمن عنده: ألـمْ أخبركم أني أعلم من الله ما لا تعلمونه من فضل الله ورحمته وكرمه؟
"فَلَمَّا أَنْ" زَائِدَة "جَاءَ الْبَشِير" يَهُوذَا بِالْقَمِيصِ وَكَانَ قَدْ حَمَلَ قَمِيص الدَّم فَأَحَبَّ أَنْ يُفْرِحهُ كَمَا أَحْزَنَهُ "أَلْقَاهُ" طَرَحَ الْقَمِيص "عَلَى وَجْهه فَارْتَدَّ" رَجَعَ
قَالَ اِبْن عَبَّاس وَالضَّحَّاك " الْبَشِير " الْبَرِيد وَقَالَ مُجَاهِد وَالسُّدِّيّ كَانَ يَهُوذَا بْن يَعْقُوب قَالَ السُّدِّيّ إِنَّمَا جَاءَ بِهِ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي جَاءَ بِالْقَمِيصِ وَهُوَ مُلَطَّخ بِدَمٍ كَذِب فَأَحَبَّ أَنْ يَغْسِل ذَلِكَ بِهَذَا فَجَاءَ بِالْقَمِيصِ فَأَلْقَاهُ عَلَى وَجْه أَبِيهِ فَرَجَعَ بَصِيرًا وَقَالَ لِبَنِيهِ عِنْد ذَلِكَ " أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَم مِنْ اللَّه مَا لَا تَعْلَمُونَ " أَيْ أَعْلَم أَنَّ اللَّه سَيَرُدُّهُ إِلَيَّ وَقُلْت لَكُمْ " إِنِّي لَأَجِد رِيح يُوسُف لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِير أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَلَمَّا أَنْ جَاءَ يَعْقُوبَ الْبَشِيرُ مِنْ عِنْد ابْنه يُوسُف , وَهُوَ الْمُبَشِّر بِرِسَالَةِ يُوسُف , وَذَلِكَ بَرِيد فِيمَا ذُكِرَ كَانَ يُوسُف يَرُدّهُ إِلَيْهِ , وَكَانَ الْبَرِيد فِيمَا ذُكِرَ وَالْبَشِير يَهُوذَا بْن يَعْقُوب أَخَا يُوسُف لِأَبِيهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 15138 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِير أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهه } يَقُول : الْبَشِير : الْبَرِيد 15139 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِر عَنِ الضَّحَّاك : { فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِير } قَالَ : الْبَرِيد . - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن مُحَمَّد , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن يَزِيد الْوَاسِطِيّ , عَنْ جُوَيْبِر , عَنِ الضَّحَّاك : { فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِير } قَالَ : الْبَرِيد 15140 - قَالَ : ثنا شَبَّابَة , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِير } قَالَ : يَهُوذَا بْن يَعْقُوب - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { الْبَشِير } قَالَ : يَهُوذَا بْن يَعْقُوب - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : يَهُوذَا بْن يَعْقُوب - قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , عَنْ وَرْقَاء , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : هُوَ يَهُوذَا بْن يَعْقُوب 15141 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج : { فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِير } قَالَ : يَهُوذَا بْن يَعْقُوب كَانَ الْبَشِير - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر , عَنْ سُفْيَان , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد : { فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِير } قَالَ : هُوَ يَهُوذَا بْن يَعْقُوب قَالَ سُفْيَان : وَكَانَ ابْن مَسْعُود يَقْرَأ : وَجَاءَ الْبَشِير مِنْ بَيْن يَدَيِ الْعِير . - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا الْمُحَارِبِيّ , عَنْ جُوَيْبِر , عَنِ الضَّحَّاك : { فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِير } قَالَ : الْبَرِيد هُوَ يَهُوذَا بْن يَعْقُوب 15142 - قَالَ : ثنا عَمْرو , عَنْ أَسْبَاط , عَنِ السُّدِّيّ , قَالَ : قَالَ يُوسُف : { اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْه أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَائْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ } قَالَ يَهُوذَا : أَنَا ذَهَبْت بِالْقَمِيصِ , مُلَطَّخًا بِالدَّمِ إِلَى يَعْقُوب فَأَخْبَرْته أَنَّ يُوسُف أَكَلَهُ الذِّئْب , وَأَنَا أَذْهَب الْيَوْم بِالْقَمِيصِ وَأُخْبِرهُ أَنَّهُ حَيّ فَأُفْرِحهُ كَمَا أَحْزَنْته . فَهُوَ كَانَ الْبَشِير - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إِسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : ثنا هُشَيْم , عَنْ جُوَيْبِر , عَنِ الضَّحَّاك : { فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِير } قَالَ : الْبَرِيد وَكَانَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة مِنْ أَهْل الْكُوفَة يَقُول : " أَنْ " فِي قَوْله : { فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِير } وَسُقُوطهَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ , وَكَانَ يَقُول هَذَا فِي : لَمَّا " و " حَتَّى " خَاصَّة , وَيُذْكَر أَنَّ الْعَرَب تُدْخِلهَا فِيهِمَا أَحْيَانًا وَتُسْقِطهَا أَحْيَانًا , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا } , وَقَالَ فِي مَوْضِع آخَر : { وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلنَا } وَقَالَ : هِيَ صِلَة لَا مَوْضِع لَهَا فِي هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ , يُقَال : حَتَّى كَانَ كَذَا وَكَذَا , وَحَتَّى أَنْ كَانَ كَذَا وَكَذَا . وَقَوْله : { أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهه } يَقُول : أَلْقَى الْبَشِير قَمِيص يُوسُف عَلَى وَجْه يَعْقُوب . كَمَا : 15143 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنِ ابْن إِسْحَاق : { فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِير } أَلْقَى الْقَمِيص عَلَى وَجْهه

وَقَوْله : { فَارْتَدَّ بَصِيرًا } يَقُول : رَجَعَ وَعَادَ مُبْصِرًا بِعَيْنَيْهِ بَعْد مَا قَدْ عَمِيَ . { قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَم مِنَ اللَّه مَا لَا تَعْلَمُونَ } يَقُول عَزَّ وَجَلَّ : قَالَ يَعْقُوب لِمَنْ كَانَ بِحَضْرَتِهِ حِينَئِذٍ مِنْ وَلَده : أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ يَا بَنِيَّ إِنِّي أَعْلَم مِنَ اللَّه أَنَّهُ سَيَرُدُّ عَلَيَّ يُوسُف , وَيَجْمَع بَيْنِي وَبَيْنه , وَكُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ أَنْتُمْ مِنْ ذَلِكَ مَا كُنْت أَعْلَمهُ ; لِأَنَّ رُؤْيَا يُوسُف كَانَتْ صَادِقَة , وَكَانَ اللَّه قَدْ قَضَى أَنْ أَخِرَّ أَنَا وَأَنْتُمْ لَهُ سُجُودًا , فَكُنْت مُوقِنًا بِقَضَائِهِ .
" عَلَى وَجْهه " أَيْ عَلَى عَيْنَيْهِ . و " أَنْ " زَائِدَة , وَالْبَشِير قِيلَ هُوَ شَمْعُون . وَقِيلَ : يَهُوذَا قَالَ : أَنَا أَذْهَب بِالْقَمِيصِ الْيَوْم كَمَا ذَهَبْت بِهِ مُلَطَّخًا بِالدَّمِ ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس . وَعَنْ السُّدِّيّ أَنَّهُ قَالَ لِإِخْوَتِهِ : قَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي ذَهَبْت إِلَيْهِ بِقَمِيصِ التَّرْحَة فَدَعُونِي أَذْهَب إِلَيْهِ بِقَمِيصِ الْفَرْحَة . وَقَالَ يَحْيَى بْن يَمَان عَنْ سُفْيَان : لَمَّا جَاءَ الْبَشِير إِلَى يَعْقُوب قَالَ لَهُ : عَلَى أَيّ دِين تَرَكْت يُوسُف ؟ قَالَ : عَلَى الْإِسْلَام ; قَالَ : الْآن تَمَّتْ النِّعْمَة ; وَقَالَ الْحَسَن : لَمَّا وَرَدَ الْبَشِير عَلَى يَعْقُوب لَمْ يَجِد عِنْده شَيْئًا يُثِيبهُ بِهِ ; فَقَالَ : وَاَللَّه مَا أَصَبْت عِنْدنَا شَيْئًا ; وَمَا خَبَزْنَا شَيْئًا مُنْذُ سَبْع لَيَالٍ , وَلَكِنْ هَوَّنَ اللَّه عَلَيْك سَكَرَات الْمَوْت .

قُلْت : وَهَذَا الدُّعَاء مِنْ أَعْظَم مَا يَكُون مِنْ الْجَوَائِز , وَأَفْضَل الْعَطَايَا وَالذَّخَائِر . وَدَلَّتْ هَذِهِ الْآيَة عَلَى جَوَاز الْبَذْل وَالْهِبَات عِنْد الْبَشَائِر . وَفِي الْبَاب حَدِيث كَعْب بْن مَالِك - الطَّوِيل - وَفِيهِ : " فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذِي سَمِعْت صَوْته يُبَشِّرنِي نَزَعْت ثَوْبَيَّ فَكَسَوْتهمَا إِيَّاهُ بِبِشَارَتِهِ " وَذَكَرَ الْحَدِيث , وَقَدْ تَقَدَّمَ بِكَمَالِهِ فِي قِصَّة الثَّلَاثَة الَّذِينَ خُلِّفُوا , وَكِسْوَة كَعْب ثَوْبَيْهِ لِلْبَشِيرِ مَعَ كَوْنه لَيْسَ لَهُ غَيْرهمَا دَلِيل عَلَى جَوَاز مِثْل ذَلِكَ إِذَا اِرْتَجَى حُصُول مَا يَسْتَبْشِر بِهِ . وَهُوَ دَلِيل عَلَى جَوَاز إِظْهَار الْفَرَح بَعْد زَوَال الْغَمّ وَالتَّرَح . وَمِنْ هَذَا الْبَاب جَوَاز حِذَاقَة الصِّبْيَان , وَإِطْعَام الطَّعَام فِيهَا , قَدْ نَحَرَ عُمَر بَعْد حِفْظه سُورَة " الْبَقَرَة " جَزُورًا . وَاَللَّه أَعْلَم .


ذَكَّرَهُمْ قَوْله : " إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّه وَأَعْلَم مِنْ اللَّه مَا لَا تَعْلَمُونَ " [ يُوسُف : 86 ] .
مشاركة الموضوع