تفسير السعدي

سورة يوسف الآية ١٠٩

وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًۭا نُّوحِىٓ إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰٓ ۗ أَفَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۗ وَلَدَارُ ٱلْءَاخِرَةِ خَيْرٌۭ لِّلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿١٠٩﴾
ثم قال تعالى " وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا " أي: لم نرسل ملائكة ولا غيرهم من أصناف الخلق.
فلأي شيء يستغرب قومك رسالتك, ويزعمون أنه ليس عليهم فضل.
فلك فيمن قبلك من المرسلين أسوة حسنة " نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى " أي: لا من البادية, بل من أهل القرى, الذين هم أكمل عقولا, وأصح آراء, وليتبين أمرهم, ويتضح شأنهم.
" أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ " إذا لم يصدقوا لقولك.
" فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ " كيف أهلكهم الله بتكذيبهم.
فاحذروا, أن تقيموا على ما قاموا عليه, فيصيبكم ما أصابهم.
" وَلَدَارُ الْآخِرَةِ " أي: الجنة وما فيها, من النعيم المقيم.
" خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا " الله, في امتثال أوامره, واجتناب نواهيه.
فإن نعيم الدنيا, منغص منكد, منقطع.
ونعيم الآخرة, تام كامل, لا يفنى أبدا, بل هو على الدوام, في تزايد وتواصل, " عطاء غير مجذوذ " " أَفَلَا تَعْقِلُونَ " أي: أفلا تكون لكم عقول, تؤثر الذي هو خير, على الأدنى.
وما أرسلنا من قبلك -أيها الرسول- للناس إلا رجالا منهم ننزل عليهم وحينا، وهم من أهل الحاضرة، فهم أقدر على فهم الدعوة والرسالة، يصدقهم المهتدون للحق، ويكذبهم الضالون عنه، أفلم يمشوا في الأرض، فيعاينوا كيف كان مآل المكذبين السابقين وما حلَّ بهم من الهلاك؟ ولَثواب الدار الآخرة أفضل من الدنيا وما فيها للذين آمنوا وخافوا ربهم. أفلا تتفكرون فتعتبروا؟
"وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلك إلَّا رِجَالًا يُوحَى" وَفِي قِرَاءَة بِالنُّونِ وَكَسْر الْحَاء "إلَيْهِمْ" لَا مَلَائِكَة "مِنْ أَهْل الْقُرَى" الْأَمْصَار لِأَنَّهُمْ أَعْلَم وَأَحْلَم بِخِلَافِ أَهْل الْبَوَادِي لِجَفَائِهِمْ وَجَهْلهمْ "أَفَلَمْ يَسِيرُوا" أَهْل مَكَّة "فِي الْأَرْض فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَة الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ" أَيْ آخِر أَمْرهمْ مِنْ إهْلَاكهمْ بِتَكْذِيبِهِمْ رُسُلهمْ "وَلَدَار الْآخِرَة" أَيْ الْجَنَّة "خَيْر لِلَّذِينَ اتَّقُوا" اللَّه "أَفَلَا يَعْقِلُونَ" بِالْيَاءِ وَالتَّاء يَا أَهْل مَكَّة هَذَا فَتُؤْمِنُونَ
يُخْبِر تَعَالَى أَنَّهُ إِنَّمَا أَرْسَلَ رُسُله مِنْ الرِّجَال لَا مِنْ النِّسَاء وَهَذَا قَوْل جُمْهُور الْعُلَمَاء كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ سِيَاق هَذِهِ الْآيَة الْكَرِيمَة إِنَّ اللَّه تَعَالَى لَمْ يُوحِ إِلَى اِمْرَأَة مِنْ بَنَات بَنِي آدَم وَحْي تَشْرِيع وَزَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّ سَارَّة اِمْرَأَة الْخَلِيل وَأُمّ مُوسَى وَمَرْيَم بِنْت عِمْرَان أُمّ عِيسَى نَبِيَّات وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الْمَلَائِكَة بَشَّرَتْ سَارَّة بِإِسْحَاق وَمِنْ وَرَاء إِسْحَاق يَعْقُوب وَبِقَوْلِهِ " وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ" الْآيَة وَبِأَنَّ الْمَلَك جَاءَ إِلَى مَرْيَم وَبَشَّرَهَا بِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى " إِذْ قَالَتْ الْمَلَائِكَة يَا مَرْيَم إِنَّ اللَّه اِصْطَفَاك وَطَهَّرَك وَاصْطَفَاك عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ يَا مَرْيَم اُقْنُتِي لِرَبِّك وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ " وَهَذَا الْقَدْر حَاصِل لَهُنَّ وَلَكِنْ لَا يَلْزَم مِنْ هَذَا أَنْ يَكُنَّ نَبِيَّات بِذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَ الْقَائِل بِنُبُوَّتِهِنَّ هَذَا الْقَدْر مِنْ التَّشْرِيف فَهَذَا لَا شَكَّ فِيهِ وَيَبْقَى الْكَلَام مَعَهُ فِي أَنَّ هَذَا هَلْ يَكْفِي فِي الِانْتِظَام فِي سِلْك النُّبُوَّة بِمُجَرَّدِهِ أَمْ لَا ؟ الَّذِي عَلَيْهِ أَهْل السُّنَّة وَالْجَمَاعَة وَهُوَ الَّذِي نَقَلَهُ الشَّيْخ أَبُو الْحَسَن عَلِيّ بْن إِسْمَاعِيل الْأَشْعَرِيّ عَنْهُمْ أَنَّهُ لَيْسَ فِي النِّسَاء نَبِيَّة وَإِنَّمَا فِيهِنَّ صِدِّيقَات كَمَا قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ أَشْرَفهنَّ مَرْيَم بِنْت عِمْرَان حَيْثُ قَالَ تَعَالَى " مَا الْمَسِيح اِبْن مَرْيَم إِلَّا رَسُول قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْله الرُّسُل وَأُمّه صِدِّيقَة كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَام" فَوَصَفَهَا فِي أَشْرَف مَقَامَاتهَا بِالصِّدِّيقَةِ فَلَوْ كَانَتْ نَبِيَّة لَذَكَرَ ذَلِكَ فِي مَقَام التَّشْرِيف وَالْإِعْظَام فَهِيَ صِدِّيقَة بِنَصّ الْقُرْآن وَقَالَ الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله " وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِك إِلَّا رِجَالًا " الْآيَة أَيْ لَيْسُوا مِنْ أَهْل السَّمَاء كَمَا قُلْتُمْ وَهَذَا الْقَوْل مِنْ اِبْن عَبَّاس يَعْتَضِد بِقَوْلِهِ تَعَالَى " وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَك مِنْ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَام وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاق " الْآيَة وَقَوْله تَعَالَى " وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَام وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ ثُمَّ صَدَقْنَاهُمْ الْوَعْد فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاء وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ" وَقَوْله تَعَالَى " قُلْ مَا كُنْت بِدْعًا مِنْ الرُّسُل " الْآيَة وَقَوْله مِنْ أَهْل الْقُرَى " الْمُرَاد بِالْقُرَى الْمُدُن لَا أَنَّهُمْ مِنْ أَهْل الْبَوَادِي الَّذِينَ هُمْ مِنْ أَجْفَى النَّاس طِبَاعًا وَأَخْلَاقًا وَهَذَا هُوَ الْمَعْهُود الْمَعْرُوف أَنَّ أَهْل الْمُدُن أَرَقّ طِبَاعًا وَأَلْطَف مِنْ أَهْل بِوَادِيهِمْ وَأَهْل الرِّيف وَالسَّوَاد أَقْرَب حَالًا مِنْ الَّذِينَ يَسْكُنُونَ فِي الْبَوَادِي وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى " الْأَعْرَاب أَشَدّ كُفْرًا وَنِفَاقًا " الْآيَة وَقَالَ قَتَادَة فِي قَوْله " مِنْ أَهْل الْقُرَى " لِأَنَّهُمْ أَعْلَم وَأَحْلُم مِنْ أَهْل الْعُمُور وَفِي الْحَدِيث الْآخَر أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَعْرَاب أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدَقَة فَلَمْ يَزَلْ يُعْطِيه وَيَزِيدهُ حَتَّى رَضِيَ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَدْ هَمَمْت أَنْ لَا أَتَّهِب هِبَة إِلَّا مِنْ قُرَشِيّ أَوْ أَنْصَارِيّ أَوْ ثَقَفِيّ أَوْ دَوْسِيّ وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا حَجَّاج حَدَّثَنَا شُعْبَة عَنْ الْأَعْمَش عَنْ يَحْيَى بْن وَثَّاب عَنْ شَيْخ مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْأَعْمَش هُوَ عُمَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ الْمُؤْمِن الَّذِي يُخَالِط النَّاس وَيَصْبِر عَلَى أَذَاهُمْ خَيْر مِنْ الَّذِي لَا يُخَالِطهُمْ وَلَا يَصْبِر عَلَى أَذَاهُمْ وَقَوْله " أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْض " يَعْنِي هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ لَك يَا مُحَمَّد فِي الْأَرْض فَيَنْظُرُوا كَيْف كَانَ عَاقِبَة الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ " أَيْ مِنْ الْأُمَم الْمُكَذِّبَة لِلرُّسُلِ كَيْف دَمَّرَ اللَّه عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالهَا أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْض فَتَكُون لَهُمْ قُلُوب يَعْقِلُونَ بِهَا " الْآيَة فَإِذَا اِسْتَمَعُوا خَبَر ذَلِكَ رَأَوْا أَنَّ اللَّه قَدْ أَهْلَكَ الْكَافِرِينَ وَنَجَّى الْمُؤْمِنِينَ وَهَذِهِ كَانَتْ سُنَّته تَعَالَى فِي خَلْقه وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى " وَلَدَار الْآخِرَة خَيْر لِلَّذِينَ اِتَّقَوْا " أَيْ وَكَمَا نَجَّيْنَا الْمُؤْمِنِينَ فِي الدُّنْيَا كَذَلِكَ كَتَبْنَا لَهُمْ النَّجَاة فِي الدَّار الْآخِرَة وَهِيَ خَيْر لَهُمْ مِنْ الدُّنْيَا بِكَثِيرٍ كَقَوْلِهِ " إِنَّا لَنَنْصُر رُسُلنَا وَاَلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَيَوْم يَقُوم الْأَشْهَاد يَوْم لَا يَنْفَع الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتهمْ وَلَهُمْ اللَّعْنَة وَلَهُمْ سُوء الدَّار " وَأَضَافَ الدَّار إِلَى الْآخِرَة فَقَالَ " وَلَدَار الْآخِرَة " كَمَا يُقَال صَلَاة الْأُولَى وَمَسْجِد الْجَامِع وَعَام أَوَّل وَ بَارِحَة الْأُولَى وَيَوْم الْخَمِيس ; قَالَ الشَّاعِر أَتَمْدَحُ فَقْعَسًا وَتَذُمّ عَبْسًا أَلَّا اللَّه أُمّك مِنْ هَجِين وَلَوْ أَقْوَتْ عَلَيْك دِيَار عَبْس عَرَفْت الذُّلّ عِرْفَان الْيَقِين
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِك إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْل الْقُرَى } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { وَمَا أَرْسَلْنَا } يَا مُحَمَّد { مِنْ قَبْلك إِلَّا رِجَالًا } لَا نِسَاءً وَلَا مَلَائِكَةً , { نُوحِي إِلَيْهِمْ } آيَاتِنَا بِالدُّعَاءِ إِلَى طَاعَتنَا وَإِفْرَاد الْعِبَادَة لَنَا { مِنْ أَهْل الْقُرَى } يَعْنِي مِنْ أَهْل الْأَمْصَار , دُون أَهْل الْبَوَادِي . كَمَا : 15217 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلك إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْل الْقُرَى } لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَحْلَم وَأَعْلَمَ مِنْ أَهْل الْعَمُود

وَقَوْله : { أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْض } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَفَلَمْ يَسِرْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَك يَا مُحَمَّد , وَيَجْحَدُونَ نُبُوَّتَك , وَيَمْكُرُونَ مَا جِئْتهمْ بِهِ مِنْ تَوْحِيد اللَّه وَإِخْلَاص الطَّاعَة وَالْعِبَادَة لَهُ فِي الْأَرْض , { فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَة الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ } إِذْ كَذَّبُوا رُسُلنَا , أَلَمْ نُحِلَّ بِهِمْ عُقُوبَتنَا , فَنُهْلِكْهُمْ بِهَا , وَنُنْجِ مِنْهَا رُسُلَنَا وَأَتْبَاعَنَا , فَيَتَفَكَّرُوا فِي ذَلِكَ وَيَعْتَبِرُوا ؟ ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 15218 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , قَالَ : قَالَ ابْن جُرَيْج : قَوْله : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِك إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ } قَالَ : إِنَّهُمْ قَالُوا : { مَا أَنْزَلَ اللَّه عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْء } قَالَ : وَقَوْله : { وَمَا أَكْثَر النَّاس وَلَوْ حَرَصْت بِمُؤْمِنِينَ وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْر } , وَقَوْله : { وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَة فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا } , وَقَوْله : { أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَة مِنْ عَذَاب اللَّه } , وَقَوْله : { أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْض فَيَنْظُرُوا } مَنْ أَهْلَكْنَا ؟ قَالَ : فَكُلّ ذَلِكَ قَالَ لِقُرَيْشٍ : أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْض فَيَنْظُرُوا فِي آثَارهمْ فَيَعْتَبِرُوا وَيَتَفَكَّرُوا


وَقَوْله : { وَلَدَار الْآخِرَة خَيْر } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : هَذَا فِعْلنَا فِي الدُّنْيَا بِأَهْلِ وِلَايَتنَا وَطَاعَتنَا , أَنَّ عُقُوبَتنَا إِذَا نَزَلَتْ بِأَهْلِ مَعَاصِينَا وَالشِّرْك بِنَا أَنْجَيْنَاهُمْ مِنْهَا , وَمَا فِي الدَّار الْآخِرَة لَهُمْ خَيْر . وَتُرِكَ ذِكْر مَا ذَكَرْنَا اكْتِفَاء بِدَلَالَةِ قَوْله : { وَلَدَار الْآخِرَة خَيْر لِلَّذِينَ اتَّقَوْا } عَلَيْهِ , وَأُضِيفَتْ الدَّار إِلَى الْآخِرَة , وَهِيَ الْآخِرَة ; لِاخْتِلَافِ لَفْظهمَا , كَمَا قِيلَ : { إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقّ الْيَقِين } وَكَمَا قِيلَ : أَتَيْتُك عَام الْأَوَّل , وَبَارِحَة الْأُولَى , وَلَيْلَة الْأُولَى , وَيَوْم الْخَمِيس , وَكَمَا قَالَ : الشَّاعِر : أَتَمْدَحُ فَقْعَسًا وَتَذُمُّ عَبْسًا أَلَا لِلَّهِ أُمُّك مِنْ هَجِينِ وَلَوْ أَقْوَتْ عَلَيْك دِيَارُ عَبْسٍ عَرَفْت الذُّلَّ عِرْفَانَ الْيَقِينِ يَعْنِي عِرْفَانًا بِهِ يَقِينًا . فَتَأْوِيل الْكَلَام : وَلَلدَّار الْآخِرَة خَيْر لِلَّذِينَ اتَّقَوْا اللَّه بِأَدَاءِ فَرَائِضه وَاجْتِنَاب مَعَاصِيه .


وَقَوْله : { أَفَلَا تَعْقِلُونَ } يَقُول : أَفَلَا يَعْقِل هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ حَقِيقَة مَا نَقُول لَهُمْ وَنُخْبِرهُمْ بِهِ مِنْ سُوء عَاقِبَة الْكُفْر , وَغِبِّ مَا يَصِير إِلَيْهِ حَال أَهْله مَعَ مَا قَدْ عَايَنُوا وَرَأَوْا وَسَمِعُوا مِمَّا حَلَّ بِمَنْ قَبْلَهُمْ مِنَ الْأُمَم الْكَافِرَة الْمُكَذِّبَة رُسُلَ رَبّهَا .
هَذَا رَدّ عَلَى الْقَائِلِينَ : " لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَك " [ الْأَنْعَام : 8 ] أَيْ أَرْسَلْنَا رِجَالًا لَيْسَ فِيهِمْ اِمْرَأَة وَلَا جِنِّيّ وَلَا مَلَك ; وَهَذَا يَرُدّ مَا يُرْوَى عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( إِنَّ فِي النِّسَاء أَرْبَع نَبِيَّات حَوَّاء وَآسِيَة وَأُمّ مُوسَى وَمَرْيَم ) . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " آل عِمْرَان " شَيْء مِنْ هَذَا . " مِنْ أَهْل الْقُرَى " يُرِيد الْمَدَائِن ; وَلَمْ يَبْعَث اللَّه نَبِيًّا مِنْ أَهْل الْبَادِيَة لِغَلَبَةِ الْجَفَاء وَالْقَسْوَة عَلَى أَهْل الْبَدْو ; وَلِأَنَّ أَهْل الْأَمْصَار أَعْقَل وَأَحْلَم وَأَفْضَل وَأَعْلَم . قَالَ الْحَسَن : لَمْ يَبْعَث اللَّه نَبِيًّا مِنْ أَهْل الْبَادِيَة قَطُّ , وَلَا مِنْ النِّسَاء , وَلَا مِنْ الْجِنّ . وَقَالَ قَتَادَة : " مِنْ أَهْل الْقُرَى " أَيْ مِنْ أَهْل الْأَمْصَار ; لِأَنَّهُمْ أَعْلَم وَأَحْلَم . وَقَالَ الْعُلَمَاء : مِنْ شَرْط الرَّسُول أَنْ يَكُون رَجُلًا آدَمِيًّا مَدَنِيًّا ; وَإِنَّمَا قَالُوا آدَمِيًّا تَحَرُّزًا ; مِنْ قَوْله : " يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنْ الْجِنّ " [ الْجِنّ : 6 ] وَاَللَّه أَعْلَم .


إِلَى مَصَارِع الْأُمَم الْمُكَذِّبَة لِأَنْبِيَائِهِمْ فَيَعْتَبِرُوا .


اِبْتِدَاء وَخَبَره . وَزَعَمَ الْفَرَّاء أَنَّ الدَّار هِيَ الْآخِرَة ; وَأُضِيف الشَّيْء إِلَى نَفْسه لِاخْتِلَافِ اللَّفْظ , كَيَوْمِ الْخَمِيس , وَبَارِحَة الْأُولَى ; قَالَ الشَّاعِر : وَلَوْ أَقْوَتْ عَلَيْك دِيَار عَبْس عَرَفْت الذُّلّ عِرْفَان الْيَقِين أَيْ عِرْفَانًا يَقِينًا ; وَاحْتَجَّ الْكِسَائِيّ بِقَوْلِهِمْ : صَلَاة الْأُولَى ; وَاحْتَجَّ الْأَخْفَش بِمَسْجِدِ الْجَامِع . قَالَ النَّحَّاس : إِضَافَة الشَّيْء إِلَى نَفْسه مُحَال ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُضَاف الشَّيْء إِلَى غَيْره لِيَتَعَرَّف بِهِ ; وَالْأَجْوَد الصَّلَاة الْأُولَى , وَمَنْ قَالَ صَلَاة الْأُولَى فَمَعْنَاهُ : عِنْد صَلَاة الْفَرِيضَة الْأُولَى ; وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ الْأُولَى لِأَنَّهَا أَوَّل مَا صُلِّيَ حِين فُرِضَتْ الصَّلَاة , وَأَوَّل مَا أُظْهِرَ ; فَلِذَلِكَ قِيلَ لَهَا أَيْضًا الظُّهْر . وَالتَّقْدِير : وَلَدَار الْحَال الْآخِرَة خَيْر , وَهَذَا قَوْل الْبَصْرِيِّينَ ; وَالْمُرَاد بِهَذِهِ الدَّار الْجَنَّة ; أَيْ هِيَ خَيْر لِلْمُتَّقِينَ . وَقُرِئَ : " وَلَلدَّار الْآخِرَة " . وَقَرَأَ نَافِع وَعَاصِم وَيَعْقُوب وَغَيْرهمْ


بِالتَّاءِ عَلَى الْخِطَاب . الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ عَلَى الْخَبَر .
مشاركة الموضوع