تفسير السعدي

سورة هود الآية ٧٥

إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّٰهٌۭ مُّنِيبٌۭ ﴿٧٥﴾
" إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ " أي: ذو خلق وسعة صدر, وعدم غضب, عند جهل الجاهلين.
" أَوَّاهٌ " أي: متضرع إلى الله في جميع الأوقات.
" مُنِيبٌ " أي: رجاع إلى الله, بمعرفته ومحبته, والإقبال عليه, والإعراض عمن سواه, فلذلك كان يجادل عن من حتم الله بهلاكهم.
إن إبراهيم كثير الحلم لا يحب المعاجلة بالعقاب، كثير التضرع إلى الله والدعاء له، تائب يرجع إلى الله في أموره كلها.
"إنَّ إبْرَاهِيم لَحَلِيم" كَثِير الْأَنَاة "أَوَّاه مُنِيب" رَجَّاع فَقَالَ لَهُمْ أَتُهْلِكُونَ قَرْيَة فِيهَا ثَلَاثمِائَةِ مُؤْمِن ؟ قَالُوا لَا قَالَ أَفَتُهْلِكُونَ قَرْيَة فِيهَا مِائَتَا مُؤْمِن ؟ قَالُوا لَا قَالَ أَفَتُهْلِكُونَ قَرْيَة فِيهَا أَرْبَعُونَ مُؤْمِنًا ؟ قَالُوا لَا قَالَ أَفَتُهْلِكُونَ قَرْيَة فِيهَا أَرْبَعَة عَشَرَ مُؤْمِنًا ؟ قَالُوا لَا قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ إنْ كَانَ فِيهَا مُؤْمِن وَاحِد قَالُوا لَا قَالَ إنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَم بِمَنْ فِيهَا إلَخْ
وَقَوْله " إِنَّ إِبْرَاهِيم لَحَلِيم أَوَّاه مُنِيب " مَدْح لِإِبْرَاهِيم بِهَذِهِ الصِّفَات الْجَمِيلَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرهَا .
وَقَوْله : { إِنَّ إِبْرَاهِيم لَحَلِيم أَوَّاه مُنِيب } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ إِبْرَاهِيم لَبَطِيء الْغَضَب مُتَذَلِّل لِرَبِّهِ خَاشِع لَهُ , مُنْقَاد لِأَمْرِهِ , مُنِيب رَجَّاع إِلَى طَاعَته . كَمَا : 14165 - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثَنَا إِسْرَائِيل , عَنْ أَبِي يَحْيَى , عَنْ مُجَاهِد : { أَوَّاه مُنِيب } قَالَ : الْقَانِت : الرَّجَّاع وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْأَوَّاه فِيمَا مَضَى بِاخْتِلَافِ الْمُخْتَلِفِينَ وَالشَّوَاهِد عَلَى الصَّحِيح مِنْهُ عِنْدنَا مِنْ الْقَوْل بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته .
تَقَدَّمَ فِي " بَرَاءَة " مَعْنَى " لَأَوَّاه حَلِيم " [ التَّوْبَة : 114 ] وَالْمُنِيب الرَّاجِع ; يُقَال : أَنَابَ إِذَا رَجَعَ . وَإِبْرَاهِيم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ رَاجِعًا إِلَى اللَّه تَعَالَى فِي أُمُوره كُلّهَا . وَقِيلَ : الْأَوَّاه الْمُتَأَوِّه أَسَفًا عَلَى مَا قَدْ فَاتَ قَوْم لُوط مِنْ الْإِيمَان .
مشاركة الموضوع