تفسير القرطبي

سورة البينة الآية ٥

وَمَآ أُمِرُوٓا۟ إِلَّا لِيَعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ ٱلْقَيِّمَةِ ﴿٥﴾
أَيْ وَمَا أُمِرَ هَؤُلَاءِ الْكُفَّار فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل

أَيْ لِيُوَحِّدُوهُ . وَاللَّام فِي " لِيَعْبُدُوا " بِمَعْنَى " أَنْ " ; كَقَوْلِهِ : " يُرِيد اللَّه لِيُبَيِّن لَكُمْ " [ النِّسَاء : 26 ] أَيْ أَنْ يُبَيِّن . وَ " يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُور اللَّه " [ الصَّفّ : 8 ] . وَ " أُمِرْنَا لِنُسْلِم لِرَبِّ الْعَالَمِينَ " [ الْأَنْعَام : 71 ] . وَفِي حَرْف عَبْد اللَّه : " وَمَا أُمِرُوا إِلَّا أَنْ يَعْبُدُوا اللَّه " .

أَيْ الْعِبَادَة ; وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : " قُلْ إِنِّي أُمِرْت أَنْ أَعْبُد اللَّه مُخْلِصًا لَهُ الدِّين " [ الزُّمَر : 11 ] . وَفِي هَذَا دَلِيل عَلَى وُجُوب النِّيَّة فِي الْعِبَادَات فَإِنَّ الْإِخْلَاص مِنْ عَمَل الْقَلْب وَهُوَ الَّذِي يُرَاد بِهِ وَجْه اللَّه تَعَالَى لَا غَيْره .

أَيْ مَائِلِينَ عَنْ الْأَدْيَان كُلّهَا , إِلَى دِين الْإِسْلَام , وَكَانَ اِبْن عَبَّاس يَقُول : حُنَفَاء : عَلَى دِين إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام . وَقِيلَ : الْحَنِيف : مَنْ اِخْتَتَنَ وَحَجَّ ; قَالَهُ سَعِيد بْن جُبَيْر . قَالَ أَهْل اللُّغَة : وَأَصْله أَنَّهُ تَحَنَّفَ إِلَى الْإِسْلَام ; أَيْ مَالَ إِلَيْهِ .

أَيْ بِحُدُودِهَا فِي أَوْقَاتهَا .

أَيْ يُعْطُوهَا عِنْد مَحَلّهَا .

أَيْ ذَلِكَ الدِّين الَّذِي أُمِرُوا بِهِ دِين الْقِيَامَة ; أَيْ الدِّين الْمُسْتَقِيم . وَقَالَ الزَّجَّاج : أَيْ ذَلِكَ دِين الْمِلَّة الْمُسْتَقِيمَة . وَ " الْقَيِّمَة " : نَعْت لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوف . أَوْ يُقَال : دِين الْأُمَّة الْقَيِّمَة بِالْحَقِّ ; أَيْ الْقَائِمَة بِالْحَقِّ . وَفِي حَرْف عَبْد اللَّه " وَذَلِكَ الدِّين الْقَيِّم " . قَالَ الْخَلِيل : " الْقَيِّمَة " جَمْع الْقَيِّم , وَالْقَيِّم وَالْقَائِم : وَاحِد . وَقَالَ الْفَرَّاء : أَضَافَ الدِّين إِلَى الْقَيِّمَة وَهُوَ نَعْته , لِاخْتِلَافِ اللَّفْظَيْنِ . وَعَنْهُ أَيْضًا : هُوَ مِنْ بَاب إِضَافَة الشَّيْء إِلَى نَفْسه , وَدَخَلَتْ الْهَاء لِلْمَدْحِ وَالْمُبَالَغَة . وَقِيلَ : الْهَاء رَاجِعَة إِلَى الْمِلَّة أَوْ الشَّرِيعَة . وَقَالَ مُحَمَّد بْن الْأَشْعَث , الطَّالْقَانِيّ " الْقَيِّمَة " هَاهُنَا : الْكُتُب الَّتِي جَرَى ذِكْرهَا , وَالدِّين مُضَاف إِلَيْهَا .
وما أمروا في سائر الشرائع إلا ليعبدوا الله وحده قاصدين بعبادتهم وجهه, مائلين عن الشرك إلى الإيمان, ويقيموا الصلاة ويؤدوا الزكاة, وذلك هو دين الاستقامة, وهو الإسلام.
وما أمروا في سائر الشرائع إلا ليعبدوا الله وحده قاصدين بعبادتهم وجهه، مائلين عن الشرك إلى الإيمان، ويقيموا الصلاة، ويُؤَدُّوا الزكاة، وذلك هو دين الاستقامة، وهو الإسلام.
" وَمَا أُمِرُوا " فِي كِتَابهمْ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل " إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّه " أَيْ أَنْ يَعْبُدُوهُ فَحُذِفَتْ أَنْ وَزِيدَتْ اللَّام " مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين " مِنْ الشِّرْك " حُنَفَاء " مُسْتَقِيمِينَ عَلَى دِين إِبْرَاهِيم وَدِين مُحَمَّد إِذَا جَاءَ فَكَيْف كَفَرُوا بِهِ " وَيُقِيمُوا الصَّلَاة وَيُؤْتُوا الزَّكَاة وَذَلِكَ دِين " الْمِلَّة " الْقَيِّمَة " الْمُسْتَقِيمَة
وَقَوْله تَعَالَى " وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين " كَقَوْلِهِ " وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِك مِنْ رَسُول إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَه إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ " وَلِهَذَا قَالَ " حُنَفَاء " أَيْ مُتَحَنِّفِينَ عَنْ الشِّرْك إِلَى التَّوْحِيد كَقَوْلِهِ " وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلّ أُمَّة رَسُولًا أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوت" وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِير الْحَنِيف فِي سُورَة الْأَنْعَام بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته هَهُنَا " وَيُقِيمُوا الصَّلَاة " وَهِيَ أَشْرَف عِبَادَات الْبَدَن " وَيُؤْتُوا الزَّكَاة " وَهِيَ الْإِحْسَان إِلَى الْفُقَرَاء وَالْمَحَاوِيج " وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَة " أَيْ الْمِلَّة الْقَائِمَة الْعَادِلَة أَوْ الْأُمَّة الْمُسْتَقِيمَة الْمُعْتَدِلَة. وَقَدْ اِسْتَدَلَّ كَثِير مِنْ الْأَئِمَّة كَالزُّهْرِيِّ وَالشَّافِعِيّ بِهَذِهِ الْآيَة الْكَرِيمَة عَلَى أَنَّ الْأَعْمَال دَاخِلَة فِي الْإِيمَان وَلِهَذَا قَالَ " وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّه مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاة وَيُؤْتُوا الزَّكَاة وَذَلِكَ دِين الْقَيِّمَة " .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّه مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمَا أَمَرَ اللَّه هَؤُلَاءِ الْيَهُود وَالنَّصَارَى الَّذِينَ هُمْ أَهْل الْكِتَاب إِلَّا أَنْ يَعْبُدُوا اللَّه مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين ; يَقُول : مُفْرِدِينَ لَهُ الطَّاعَة , لَا يَخْلِطُونَ طَاعَتهمْ رَبّهمْ بِشِرْكٍ , فَأَشْرَكَتْ الْيَهُود بِرَبِّهَا بِقَوْلِهِمْ إِنَّ عُزَيْرًا اِبْن اللَّه , وَالنَّصَارَى بِقَوْلِهِمْ فِي الْمَسِيح مِثْل ذَلِكَ , وَجُحُودهمْ نُبُوَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

وَقَوْله : { حُنَفَاء } قَدْ مَضَى بَيَاننَا فِي مَعْنَى الْحَنِيفِيَّة قَبْل , بِشَوَاهِدِهِ الْمُغْنِيَة عَنْ إِعَادَتهَا , غَيْر أَنَّا نَذْكُر بَعْض مَا لَمْ نَذْكُر قَبْل مِنْ الْأَخْبَار فِي ذَلِكَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 29204 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين حُنَفَاء } يَقُول : حُجَّاجًا مُسْلِمِينَ غَيْر مُشْرِكِينَ , يَقُول : { وَيُقِيمُوا الصَّلَاة وَيُؤْتُوا الزَّكَاة } وَيَحُجُّوا { وَذَلِكَ دِين الْقَيِّمَة } . 29205 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّه مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين حُنَفَاء } وَالْحَنِيفِيَّة : الْخِتَان , وَتَحْرِيم الْأُمَّهَات وَالْبَنَات وَالْأَخَوَات وَالْعَمَّات , وَالْخَالَات , وَالْمَنَاسِك .

وَقَوْله : { وَيُقِيمُوا الصَّلَاة وَيُؤْتُوا الزَّكَاة } يَقُول : وَلِيُقِيمُوا الصَّلَاة , وَلِيُؤْتُوا الزَّكَاة .

وَقَوْله : { وَذَلِكَ دِين الْقَيِّمَة } يَعْنِي أَنَّ هَذَا الَّذِي ذُكِرَ أَنَّهُ أُمِرَ بِهِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْل الْكِتَاب وَالْمُشْرِكِينَ , هُوَ الدِّين الْقَيِّمَة , وَيَعْنِي بِالْقَيِّمَةِ : الْمُسْتَقِيمَة الْعَادِلَة , وَأُضِيفَ الدِّين إِلَى الْقَيِّمَة , وَالدِّين هُوَ الْقَيِّم , وَهُوَ مِنْ نَعْته لِاخْتِلَافِ لَفْظَيْهِمَا. وَهِيَ فِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه فِيمَا أَرَى فِيمَا ذُكِرَ لَنَا : { وَذَلِكَ الدِّين الْقَيِّمَة } وَأُنِّثَتْ الْقَيِّمَة , لِأَنَّهَا جُعِلَتْ صِفَة لِلْمِلَّةِ , كَأَنَّهُ قِيلَ : وَذَلِكَ الْمِلَّة الْقَيِّمَة , دُون الْيَهُودِيَّة وَالنَّصْرَانِيَّة. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 29206- حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله { وَذَلِكَ دِين الْقَيِّمَة } هُوَ الدِّين الَّذِي بَعَثَ اللَّه بِهِ رَسُوله , وَشَرَعَ لِنَفْسِهِ , وَرَضِيَ بِهِ . 29207 -حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { كُتُب قَيِّمَة - وَذَلِكَ دِين الْقَيِّمَة } قَالَ : هُوَ وَاحِد ; قَيِّمَة : مُسْتَقِيمَة مُعْتَدِلَة .
مشاركة الموضوع