تفسير القرطبي

سورة العلق الآية ٦

كَلَّآ إِنَّ ٱلْإِنسَٰنَ لَيَطْغَىٰٓ ﴿٦﴾
قِيلَ : إِنَّهُ نَزَلَ فِي أَبِي جَهْل . وَقِيلَ : نَزَلَتْ السُّورَة كُلّهَا فِي أَبِي جَهْل ; نَهَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الصَّلَاة ; فَأَمَرَ اللَّه نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُصَلِّي فِي الْمَسْجِد وَيَقْرَأ بِاسْمِ الرَّبّ . وَعَلَى هَذَا فَلَيْسَتْ السُّورَة مِنْ أَوَائِل مَا نَزَلَ . وَيَجُوز أَنْ يَكُون خَمْس آيَات مِنْ أَوَّلهَا أَوَّل مَا نَزَلَتْ , ثُمَّ نَزَلَتْ الْبَقِيَّة فِي شَأْن أَبِي جَهْل , وَأَمَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِضَمِّ ذَلِكَ إِلَى أَوَّل السُّورَة ; لِأَنَّ تَأْلِيف السُّوَر جَرَى بِأَمْرٍ مِنْ اللَّه . أَلَا تَرَى أَنَّ قَوْله تَعَالَى : " وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّه " [ الْبَقَرَة : 281 ] آخِر مَا نَزَلَ , ثُمَّ هُوَ مَضْمُوم إِلَى مَا نَزَلَ قَبْله بِزَمَانٍ طَوِيل . وَ " كَلَّا " بِمَعْنَى حَقًّا ; إِذْ لَيْسَ قَبْله شَيْء . وَالْإِنْسَان هُنَا أَبُو جَهْل . وَالطُّغْيَان : مُجَاوَزَة الْحَدّ فِي الْعِصْيَان .
حقا إن الإنسان ليتجاوز حدود الله إذا أبطره الغنى, فليعلم كل طاغية أن المصير إلى الله.
حقًا إن الإنسان ليتجاوز حدود الله إذا أبطره الغنى، فليعلم كل طاغية أن المصير إلى الله، فيجازي كلَّ إنسان بعمله.
" كَلَّا " حَقًّا " إِنَّ الْإِنْسَان لَيَطْغَى "
يُخْبِر تَعَالَى عَنْ الْإِنْسَان أَنَّهُ ذُو فَرَح وَأَشَر وَبَطَر وَطُغْيَان .
وَقَوْله : { كَلَّا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : مَا هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُون الْإِنْسَان أَنْ يُنْعِم عَلَيْهِ رَبّه بِتَسْوِيَتِهِ خَلْقه , وَتَعْلِيمه مَا لَمْ يَكُنْ يَعْلَم , وَإِنْعَامه بِمَا لَا كُفُؤ لَهُ , ثُمَّ يَكْفُر بِرَبِّهِ الَّذِي فَعَلَ بِهِ ذَلِكَ , وَيَطْغَى عَلَيْهِ , أَنْ رَآهُ اِسْتَغْنَى .


وَقَوْله : { إِنَّ الْإِنْسَان لَيَطْغَى } يَقُول : إِنَّ الْإِنْسَان لَيَتَجَاوَز حَدّه , وَيَسْتَكْبِر عَلَى رَبّه , فَيَكْفُر بِهِ , لِأَنْ رَأَى نَفْسه اِسْتَغْنَتْ . وَقِيلَ : أَنْ رَآهُ اِسْتَغْنَى لِحَاجَةِ " رَأَى " إلَى اِسْم وَخَبَر , وَكَذَلِكَ تَفْعَل الْعَرَب فِي كُلّ فِعْل اِقْتَضَى الِاسْم وَالْفِعْل , إِذَا أَوْقَعَهُ الْمُخْبِر عَنْ نَفْسه عَلَى نَفْسه , مَكْنِيًّا عَنْهَا فَيَقُول : مَتَى تَرَاك خَارِجًا ؟ وَمَتَى تَحْسَبك سَائِرًا ؟ فَإِذَا كَانَ الْفِعْل لَا يَقْتَضِي إِلَّا مَنْصُوبًا وَاحِدًا , جَعَلُوا مَوْضِع الْمَكْنِيّ نَفْسه , فَقَالُوا : قَتَلْت نَفْسك , وَلَمْ يَقُولُوا : قَتَلَتْك وَلَا قَتَلَتْهُ.
مشاركة الموضوع