تفسير القرطبي

سورة الشمس الآية ٦

وَٱلْأَرْضِ وَمَا طَحَىٰهَا ﴿٦﴾
أَيْ وَطَحْوِهَا . وَقِيلَ : وَمَنْ طَحَاهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا . أَيْ بَسَطَهَا كَذَا قَالَ عَامَّة الْمُفَسِّرِينَ مِثْل دَحَاهَا . قَالَ الْحَسَن وَمُجَاهِد وَغَيْرهمَا : طَحَاهَا وَدَحَاهَا : وَاحِد أَيْ بَسَطَهَا مِنْ كُلّ جَانِب . وَالطَّحْو : الْبَسْط طَحَا يَطْحُو طَحْوًا , وَطَحَى يَطْحَى طَحْيًا , وَطُحِيَتْ : اِضْطَجَعَتْ عَنْ أَبِي عَمْرو . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس : طَحَاهَا : قَسَمَهَا . وَقِيلَ : خَلَقَهَا قَالَ الشَّاعِر : وَمَا تَدْرِي جَذِيمَة مَنْ طَحَاهَا وَلَا مِنْ سَاكِن الْعَرْش الرَّفِيع الْمَاوَرْدِيّ : وَيَحْتَمِل أَنَّهُ مَا خَرَجَ مِنْهَا مِنْ نَبَات وَعُيُون وَكُنُوز ; لِأَنَّهُ حَيَاة لِمَا خَلَقَ عَلَيْهَا . وَيُقَال فِي بَعْض أَيْمَان الْعَرَب : لَا , وَالْقَمَر الطَّاحِي أَيْ الْمُشْرِف الْمَشْرِق الْمُرْتَفِع . قَالَ أَبُو عَمْرو : طَحَا الرَّجُل : إِذَا ذَهَبَ فِي الْأَرْض . يُقَال : مَا أَدْرِي أَيْنَ طَحَا ! وَيُقَال : طَحَا بِهِ قَلْبه : إِذَا ذَهَبَ بِهِ فِي كُلّ شَيْء . قَالَ عَلْقَمَة : طَحَا بِك قَلْب فِي الْحِسَانِ طَرُوبُ بُعَيْد الشَّبَاب عَصْر حَانَ مَشِيبُ
وبالأرض وبسطها,
أقسم الله بالشمس ونهارها وإشراقها ضحى، وبالقمر إذا تبعها في الطلوع والأفول، وبالنهار إذا جلَّى الظلمة وكشفها، وبالليل عندما يغطي الأرض فيكون ما عليها مظلمًا، وبالسماء وبنائها المحكم، وبالأرض وبَسْطها، وبكل نفس وإكمال الله خلقها لأداء مهمتها، فبيَّن لها طريق الشر وطريق الخير، قد فاز مَن طهَّرها ونمَّاها بالخير، وقد خسر مَن أخفى نفسه في المعاصي.
" وَالْأَرْض وَمَا طَحَاهَا " بَسَطَهَا
قَوْله تَعَالَى " وَالْأَرْض وَمَا طَحَاهَا" قَالَ مُجَاهِد : طَحَاهَا دَحَاهَا . قَالَ الْعَوْفِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس " وَمَا طَحَاهَا " أَيْ خَلَقَ فِيهَا وَقَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس طَحَاهَا قَسَمَهَا . وَقَالَ مُجَاهِد وَقَتَادَة وَالضَّحَّاك وَالسُّدِّيّ وَالثَّوْرِيّ وَابْن صَالِح وَابْن زَيْد" طَحَاهَا " بَسَطَهَا وَهَذَا أَشْهَر الْأَقْوَال وَعَلَيْهِ الْأَكْثَر مِنْ الْمُفَسِّرِينَ وَهُوَ الْمَعْرُوف عِنْد أَهْل اللُّغَة . قَالَ الْجَوْهَرِيّ طَحَوْته مِثْل دَحَوْته أَيْ بَسَطْته .
وَقَوْله : { وَالْأَرْض وَمَا طَحَاهَا } وَهَذِهِ أَيْضًا نَظِير الَّتِي قَبْلهَا , وَمَعْنَى الْكَلَام : وَالْأَرْض وَمَنْ طَحَاهَا . وَمَعْنَى قَوْله : { طَحَاهَا } : بَسَطَهَا يَمِينًا وَشِمَالًا , وَمِنْ كُلّ جَانِب . وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى قَوْله : { طَحَاهَا } فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَالْأَرْض وَمَا خَلَقَ فِيهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 28950 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَالْأَرْض وَمَا طَحَاهَا } يَقُول : مَا خَلَقَ فِيهَا . وَقَالَ آخَرُونَ : يَعْنِي بِذَلِكَ : وَمَا بَسَطَهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 28951 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عُمَارَة , قَالَ : ثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { وَالْأَرْض وَمَا طَحَاهَا } قَالَ : دَحَاهَا . 28952 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَمَا طَحَاهَا } قَالَ : بَسَطَهَا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَمَا قَسَّمَهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 28953 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { وَالْأَرْض وَمَا طَحَاهَا } يَقُول : قَسَّمَهَا .
مشاركة الموضوع