تفسير القرطبي

سورة التوبة الآية ٨٨

لَٰكِنِ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ جَٰهَدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۚ وَأُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلْخَيْرَٰتُ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴿٨٨﴾
وَقَوْله تَعَالَى فِي وَصْف الْمُجَاهِدِينَ : " وَأُولَئِكَ لَهُمْ الْخَيْرَات " قِيلَ : النِّسَاء الْحِسَان ; عَنْ الْحَسَن . دَلِيله قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : " فِيهِنَّ خَيْرَات حِسَان " [ الرَّحْمَن : 70 ] . وَيُقَال : هِيَ خَيْرَة النِّسَاء . وَالْأَصْل خَيِّرَة فَخُفِّفَ ; مِثْل هَيِّنَة وَهَيْنَة . وَقِيلَ : جَمْع خَيْر . فَالْمَعْنَى لَهُمْ مَنَافِع الدَّارَيْنِ . " وَأُولَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ " " هُمْ " يَجُوز أَنْ يَكُون مُبْتَدَأ ثَانِيًا وَخَبَره " الْمُفْلِحُونَ " , وَالثَّانِي وَخَبَره خَبَر الْأَوَّل , وَيَجُوز أَنْ تَكُون " هُمْ " زَائِدَة يُسَمِّيهَا الْبَصْرِيُّونَ فَاصِلَة وَالْكُوفِيُّونَ عِمَادًا - و " الْمُفْلِحُونَ " خَبَر " أُولَئِكَ " . وَالْفَلْح أَصْله فِي اللُّغَة الشَّقّ وَالْقَطْع ; قَالَ الشَّاعِر : إِنَّ الْحَدِيد بِالْحَدِيدِ يُفْلَح أَيْ يُشَقّ وَمِنْهُ فِلَاحَة الْأَرَضِينَ إِنَّمَا هُوَ شَقّهَا لِلْحَرْثِ , قَالَ أَبُو عُبَيْد . وَلِذَلِكَ سُمِّيَ الْأَكَّار فَلَّاحًا . وَيُقَال لِلَّذِي شُقَّتْ شَفَته السُّفْلَى أَفْلَح , وَهُوَ بَيِّن الْفَلَحَة , فَكَأَنَّ الْمُفْلِح قَدْ قَطَعَ الْمَصَاعِب حَتَّى نَالَ مَطْلُوبه . وَقَدْ يُسْتَعْمَل فِي الْفَوْز وَالْبَقَاء , وَهُوَ أَصْله أَيْضًا فِي اللُّغَة , وَمِنْهُ قَوْل الرَّجُل لِامْرَأَتِهِ : اِسْتَفْلِحِي بِأَمْرِك , مَعْنَاهُ فُوزِي بِأَمْرِك , وَقَالَ الشَّاعِر : لَوْ كَانَ حَيّ مُدْرِك الْفَلَاح أَدْرَكَهُ مُلَاعِب الرِّمَاح وَقَالَ الْأَضْبَط بْن قُرَيْع السَّعْدِيّ فِي الْجَاهِلِيَّة الْجُهَلَاء : لِكُلِّ هَمّ مِنْ الْهُمُوم سَعَه وَالْمَسِيّ وَالصُّبْح لَا فَلَاح مَعَهُ يَقُول : لَيْسَ مَعَ كَرّ اللَّيْل وَالنَّهَار بَقَاء . وَقَالَ آخَر : نَحُلّ بِلَادًا كُلّهَا حُلّ قَبْلَنَا وَنَرْجُو الْفَلَاح بَعْد عَاد وَحِمْيَر أَيْ الْبَقَاء : وَقَالَ عُبَيْد : أَفْلِحْ بِمَا شِئْت فَقَدْ يُدْرَك بِالضَّعْفِ وَقَدْ يُخَدَّع الْأَرِيب أَيْ اِبْقَ بِمَا شِئْت مِنْ كَيْس وَحُمْق فَقَدْ يُرْزَق الْأَحْمَق وَيُحْرَم الْعَاقِل .
يقول تعالى: إذا تخلف هؤلاء المنافقون عن الجهاد, فاللّه سيغني عنهم.
وللّه عباد وخواص من خلقه, اختصهم بفضله, يقومون بهذا الأمر.
وهم " الرَّسُولُ " محمد صلى الله عليه وسلم, " وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ " غير متثاقلين ولا كسلين, بل هم فرحون مستبشرون.
" وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ " الكثيرة في الدنيا والآخرة.
" وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ " الذين ظفروا بأعلى المطالب, وأكمل الرغائب.
إنْ تخلَّف هؤلاء المنافقون عن الغزو، فقد جاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون معه بأموالهم وأنفسهم، وأولئك لهم النصر والغنيمة في الدنيا، والجنة والكرامة في الآخرة، وأولئك هم الفائزون.
"لَكِنْ الرَّسُول وَاَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسهمْ وَأُولَئِكَ لَهُمْ الْخَيْرَات" فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة "وَأُولَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ" أَيْ الْفَائِزُونَ
لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى ذَنْب الْمُنَافِقِينَ وَبَيَّنَ ثَنَاءَهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَمَا لَهُمْ فِي آخِرَتهمْ فَقَالَ " لَكِنْ الرَّسُول وَاَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا " إِلَى آخِر الْآيَتَيْنِ مِنْ بَيَان حَالهمْ وَمَآلهمْ وَقَالَ " وَأُولَئِكَ لَهُمْ الْخَيْرَات " أَيْ فِي الدَّار الْآخِرَة فِي جَنَّات الْفِرْدَوْس وَالدَّرَجَات الْعُلَى .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَكِنْ الرَّسُول وَاَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسهمْ وَأُولَئِكَ لَهُمْ الْخَيْرَات } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : لَمْ يُجَاهِد هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ اِقْتَصَصْت قَصَصهمْ الْمُشْرِكِينَ , لَكِنْ الرَّسُول مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاَلَّذِينَ صَدَقُوا اللَّه وَرَسُوله مَعَهُ هُمْ الَّذِينَ جَاهَدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسهمْ , فَأَنْفَقُوا فِي جِهَادهمْ أَمْوَالهمْ وَأَتْعَبُوا فِي قِتَالهمْ أَنْفُسهمْ وَبَذَلُوهَا . { وَأُولَئِكَ } يَقُول : وَلِلرَّسُولِ وَلِلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسهمْ الْخَيْرَات , وَهِيَ خَيْرَات الْآخِرَة , وَذَلِكَ نِسَاؤُهَا وَجَنَّاتهَا وَنَعِيمهَا , وَاحِدَتهَا : خَيْرَة , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : وَلَقَدْ طَعَنْت مَجَامِع الرَّبَلَات رَبَلَات هِنْد خَيْرَة الْمَلَكَات وَالْخَيْرَة مِنْ كُلّ شَيْء : الْفَاضِلَة .

{ وَأُولَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ } يَقُول : وَأُولَئِكَ هُمْ الْمُخَلَّدُونَ فِي الْجَنَّات الْبَاقُونَ فِيهَا الْفَائِزُونَ بِهَا.
مشاركة الموضوع