تفسير القرطبي

سورة التوبة الآية ٨٣

فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍۢ مِّنْهُمْ فَٱسْتَـْٔذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُوا۟ مَعِىَ أَبَدًۭا وَلَن تُقَٰتِلُوا۟ مَعِىَ عَدُوًّا ۖ إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِٱلْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ فَٱقْعُدُوا۟ مَعَ ٱلْخَٰلِفِينَ ﴿٨٣﴾
أَيْ الْمُنَافِقِينَ . وَإِنَّمَا قَالَ : " إِلَى طَائِفَة " لِأَنَّ جَمِيع مَنْ أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ مَا كَانُوا مُنَافِقِينَ , بَلْ كَانَ فِيهِمْ مَعْذُورُونَ وَمَنْ لَا عُذْر لَهُ , ثُمَّ عَفَا وَتَابَ عَلَيْهِمْ ; كَالثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا . وَسَيَأْتِي .


أَيْ عَاقَبَهُمْ بِأَلَّا تَصْحَبهُمْ أَبَدًا . وَهُوَ كَمَا قَالَ فِي " سُورَة الْفَتْح " : " قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا " [ الْفَتْح : 15 ] .


و " الْخَالِفِينَ " جَمْع خَالِف ; كَأَنَّهُمْ خُلِّفُوا الْخَارِجِينَ . قَالَ اِبْن عَبَّاس : " الْخَالِفِينَ " مَنْ تَخَلَّفَ مِنْ الْمُنَافِقِينَ . وَقَالَ الْحَسَن : مَعَ النِّسَاء وَالضُّعَفَاء مِنْ الرِّجَال , فَغُلِّبَ الْمُذَكَّر . وَقِيلَ : الْمَعْنَى فَاقْعُدُوا مَعَ الْفَاسِدِينَ ; مِنْ قَوْلهمْ فُلَان خَالِفَة أَهْل بَيْته إِذَا كَانَ فَاسِدًا فِيهِمْ ; مِنْ خُلُوف فَم الصَّائِم . وَمِنْ قَوْلك : خَلَفَ اللَّبَن ; أَيْ فَسَدَ بِطُولِ الْمُكْث فِي السِّقَاء ; فَعَلَى هَذَا يَعْنِي فَاقْعُدُوا مَعَ الْفَاسِدِينَ . وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ اِسْتِصْحَاب الْمُخَذِّل فِي الْغَزَوَات لَا يَجُوز .
" فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ " وهم الذين تخلفوا من غير عذر, ولم يحزنوا على تخلفهم.
" فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ " لغير هذه الغزوة, إذا رأوا السهولة.
" فَقُلْ " لهم عقوبة " لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا " فسيغني اللّه عنكم.
" إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ " وهذا كما قال تعالى " ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة " .
فإن المتثاقل المتخلف عن المأمور به عند انتهاز الفرصة, لن يوفق له بعد ذلك, ويحال بينه وبينه.
وفيه أيضا تعزير لهم, فإنه إذا تقرر عند المسلمين أن هؤلاء من الممنوعين من الخروج إلى الجهاد, لمعصيتهم, كان ذلك توبيخا لهم, وعارا عليهم ونكالا, أن يفعل أحد كفعلهم.
فإنْ رَدَّك الله -أيها الرسول- مِن غزوتك إلى جماعة من المنافقين الثابتين على النفاق، فاستأذنوك للخروج معك إلى غزوة أخرى بعد غزوة (تبوك) فقل لهم: لن تخرجوا معي أبدًا في غزوة من الغزوات، ولن تقاتلوا معي عدوًا من الأعداء؛ إنكم رضيتم بالقعود أول مرة، فاقعدوا مع الذين تخلفوا عن الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
"فَإِنْ رَجَعَك" رَدَّك "اللَّه" مِنْ تَبُوك "إلَى طَائِفَة مِنْهُمْ" مِمَّنْ تَخَلَّفَ بِالْمَدِينَةِ مِنْ الْمُنَافِقِينَ "فَاسْتَأْذَنُوك لِلْخُرُوجِ" مَعَك إلَى غَزْوَة أُخْرَى "فَقُلْ" لَهُمْ "لَنْ تَخْرُجُوا مَعِي أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِي عَدُوًّا إنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّل مَرَّة فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ" الْمُتَخَلِّفِينَ عَنْ الْغَزْو مِنْ النِّسَاء وَالصِّبْيَان وَغَيْرهمْ
يَقُول تَعَالَى آمِرًا لِرَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام " فَإِنْ رَجَعَك اللَّه " أَيْ رَدَّك اللَّه مِنْ غَزْوَتك هَذِهِ إِلَى طَائِفَة مِنْهُمْ قَالَ قَتَادَة : ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُمْ كَانُوا اِثَّنَى عَشَر رَجُلًا فَاسْتَأْذَنُوك لِلْخُرُوجِ أَيْ مَعَك إِلَى غَزْوَة أُخْرَى فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا أَيْ تَعْزِيزًا لَهُمْ وَعُقُوبَة ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّل مَرَّة وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَنُقَلِّب أَفْئِدَتهمْ وَأَبْصَارهمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّل مَرَّة . الْآيَة . فَإِنَّ جَزَاء السَّيِّئَة السَّيِّئَة بَعْدهَا كَمَا أَنَّ ثَوَاب الْحَسَنَة الْحَسَنَة بَعْدهَا كَقَوْلِهِ فِي عُمْرَة الْحُدَيْبِيَة سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا اِنْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِم لِتَأْخُذُوهَا . الْآيَة وَقَوْله تَعَالَى فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ قَالَ اِبْن عَبَّاس أَيْ الرِّجَال الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ الْغُزَاة وَقَالَ قَتَادَة فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ أَيْ مَعَ النِّسَاء قَالَ اِبْن جَرِير وَهَذَا لَا يَسْتَقِيم لِأَنَّ جَمْع النِّسَاء لَا يَكُون بِالْيَاءِ وَالنُّون وَلَوْ أُرِيد النِّسَاء لَقَالَ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَوَالِف أَوْ الْخَالِفَات وَرَجَحَ قَوْل اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ رَجَعَك اللَّه إِلَى طَائِفَة مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوك لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّل مَرَّة فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَإِنْ رَدَّك اللَّه يَا مُحَمَّد إِلَى طَائِفَة مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ مِنْ غَزْوَتك هَذِهِ , فَاسْتَأْذَنُوك لِلْخُرُوجِ مَعَك فِي أُخْرَى غَيْرهَا , فَقُلْ لَهُمْ : { لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّل مَرَّة } وَذَلِكَ عِنْد خُرُوج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى تَبُوك ; { فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ } يَقُول : فَاقْعُدُوا مَعَ الَّذِينَ قَعَدُوا مِنْ الْمُنَافِقِينَ خِلَاف رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لِأَنَّكُمْ مِنْهُمْ , فَاقْتَدُوا بِهَدْيِهِمْ وَاعْمَلُوا مِثْل الَّذِي عَمِلُوا مِنْ مَعْصِيَة اللَّه , فَإِنَّ اللَّه قَدْ سَخِطَ عَلَيْكُمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13252 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : قَالَ رَجُل : يَا رَسُول اللَّه , الْحَرّ شَدِيد وَلَا نَسْتَطِيع الْخُرُوج , فَلَا تَنْفِر فِي الْحَرّ ! وَذَلِكَ فِي غَزْوَة تَبُوك , فَقَالَ اللَّه : { قُلْ نَار جَهَنَّم أَشَدّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ } فَأَمَرَهُ اللَّه بِالْخُرُوجِ , فَتَخَلَّفَ عَنْهُ رِجَال , فَأَدْرَكَتْهُمْ نُفُوسهمْ , فَقَالُوا : وَاَللَّه مَا صَنَعْنَا شَيْئًا ! فَانْطَلَقَ مِنْهُمْ ثَلَاثَة , فَلَحِقُوا بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَلَمَّا أَتَوْهُ تَابُوا ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى الْمَدِينَة , فَأَنْزَلَ اللَّه : { فَإِنْ رَجَعَك اللَّه إِلَى طَائِفَة مِنْهُمْ } إِلَى قَوْله : { وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْره } فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " هَلَكَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا ! " فَأَنْزَلَ اللَّه عُذْرهمْ لَمَّا تَابُوا , فَقَالَ : { لَقَدْ تَابَ اللَّه عَلَى النَّبِيّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَار } 9 117 إِلَى قَوْله : { إِنَّ اللَّه هُوَ التَّوَّاب الرَّحِيم } 9 118 وَقَالَ : { إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوف رَحِيم } 13253 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { فَإِنْ رَجَعَك اللَّه إِلَى طَائِفَة مِنْهُمْ } إِلَى قَوْله : { فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ } : أَيْ مَعَ النِّسَاء . ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُمْ كَانُوا اِثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ الْمُنَافِقِينَ , فَقِيلَ فِيهِمْ مَا قِيلَ . 13254 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ } وَالْخَالِفُونَ : الرِّجَال . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالصَّوَاب مِنْ التَّأْوِيل فِي قَوْله { الْخَالِفِينَ } مَا قَالَ اِبْن عَبَّاس. فَأَمَّا مَا قَالَ قَتَادَة مِنْ أَنَّ ذَلِكَ النِّسَاء , فَقَوْل لَا مَعْنَى لَهُ ; لِأَنَّ الْعَرَب لَا تَجْمَع النِّسَاء إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُنَّ رِجَال بِالْيَاءِ وَالنُّون , وَلَا بِالْوَاوِ وَالنُّون . وَلَوْ كَانَ مَعْنِيًّا بِذَلِكَ النِّسَاء , لَقِيلَ : " فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَوَالِف " , أَوْ " مَعَ الْخَالِفَات " , وَلَكِنَّ مَعْنَاهُ مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ : فَاقْعُدُوا مَعَ مَرْضَى الرِّجَال وَأَهْل زَمَانَتهمْ وَالضُّعَفَاء مِنْهُمْ وَالنِّسَاء. وَإِذَا اِجْتَمَعَ الرِّجَال وَالنِّسَاء فِي الْخَبَر , فَإِنَّ الْعَرَب تُغَلِّب الذُّكُور عَلَى الْإِنَاث , وَلِذَلِكَ قِيلَ : { فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ } وَالْمَعْنَى مَا ذَكَرْنَا . وَلَوْ وُجِّهَ مَعْنَى ذَلِكَ إِلَى : فَاقْعُدُوا مَعَ أَهْل الْفَسَاد , مِنْ قَوْلهمْ : خَلَفَ الرِّجَال عَنْ أَهْله يَخْلُف خُلُوفًا , إِذَا فَسَدَ , وَمِنْ قَوْلهمْ : هُوَ خَلَف سُوء ; كَانَ مَذْهَبًا . وَأَصْله إِذَا أُرِيدَ بِهِ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلهمْ خَلَفَ اللَّبَن يَخْلُف خُلُوفًا إِذَا خَبُثَ مِنْ طُول وَضْعه فِي السِّقَاء حَتَّى يَفْسُد , وَمِنْ قَوْلهمْ : خَلَفَ فَم الصَّائِم : إِذَا تَغَيَّرَتْ رِيحه .
مشاركة الموضوع