تفسير القرطبي

سورة التوبة الآية ٧١

وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍۢ ۚ يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ ٱللَّهُ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ ﴿٧١﴾
أَيْ قُلُوبهمْ مُتَّحِدَة فِي التَّوَادّ وَالتَّحَابّ وَالتَّعَاطُف . وَقَالَ فِي الْمُنَافِقِينَ " بَعْضهمْ مِنْ بَعْض " لِأَنَّ قُلُوبهمْ مُخْتَلِفَة وَلَكِنْ يَضُمّ بَعْضهمْ إِلَى بَعْض فِي الْحُكْم .


أَيْ بِعِبَادَةِ اللَّه تَعَالَى وَتَوْحِيده , وَكُلّ مَا أَتْبَع ذَلِكَ .


عَنْ عِبَادَة الْأَوْثَان وَكُلّ مَا أَتْبَع ذَلِكَ . وَذَكَرَ الطَّبَرِيّ عَنْ أَبِي الْعَالِيَة أَنَّهُ قَالَ : كُلّ مَا ذَكَرَ اللَّه فِي الْقُرْآن مِنْ الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر فَهُوَ النَّهْي عَنْ عِبَادَة الْأَوْثَان وَالشَّيَاطِين . وَقَدْ مَضَى الْقَوْل فِي الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر فِي سُورَة [ الْمَائِدَة ] و [ آل عِمْرَان ] وَالْحَمْد لِلَّهِ .



تَقَدَّمَ فِي أَوَّل " الْبَقَرَة " الْقَوْل فِيهِ . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : هِيَ الصَّلَوَات الْخَمْس , وَبِحَسَبِ هَذَا تَكُون الزَّكَاة هُنَا الْمَفْرُوضَة . اِبْن عَطِيَّة : وَالْمَدْح عِنْدِي بِالنَّوَافِلِ أَبْلَغ ; إِذْ مَنْ يُقِيم النَّوَافِل أَحْرَى بِإِقَامَةِ الْفَرَائِض .


فِي الْفَرَائِض


فِيمَا سَنَّ لَهُمْ .


وَالسِّين فِي قَوْله : " سَيَرْحَمُهُمْ اللَّه " مُدْخِلَة فِي الْوَعْد مُهْلَةً لِتَكُونَ النُّفُوس تَتَنَعَّم بِرَجَائِهِ ; وَفَضْله تَعَالَى زَعِيم بِالْإِنْجَازِ .


" وَالْعَزِيز " مَعْنَاهُ الْمَنِيع الَّذِي لَا يُنَال وَلَا يُغَالَب . وَقَالَ اِبْن كَيْسَان : مَعْنَاهُ الَّذِي لَا يُعْجِزهُ شَيْء ; دَلِيله : " وَمَا كَانَ اللَّه لِيُعْجِزهُ مِنْ شَيْء فِي السَّمَاوَات وَلَا فِي الْأَرْض " . [ فَاطِر : 44 ] . الْكِسَائِيّ : " الْعَزِيز " الْغَالِب ; وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : " وَعَزَّنِي فِي الْخِطَاب " [ ص : 23 ] وَفِي الْمَثَل : " مَنْ عَزَّ بَزَّ " أَيْ مَنْ غَلَبَ سَلَبَ . وَقِيلَ : " الْعَزِيز " الَّذِي لَا مِثْل لَهُ ; بَيَانه " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء " [ الشُّورَى : 11 ] . وَقَدْ زِدْنَا هَذَا الْمَعْنَى بَيَانًا فِي اِسْمه الْعَزِيز فِي كِتَاب " الْأَسْنَى فِي شَرْح أَسْمَاء اللَّه الْحُسْنَى " ,


مُحْكَم لِمَا يُرِيدهُ مِنْ أُمُور عِبَاده
لما ذكر أن المنافقين, بعضهم من بعض, ذكر أن المؤمنين, بعضهم أولياء بعض, ووصفهم بضد ما وصف به المنافقين فقال: " وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ " أي: ذكورهم وإناثهم " بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ " في المحبة والموالاة, والانتماء والنصرة.
" يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ " وهو اسم جامع, لكل ما عرف حسنه, من العقائد الحسنة, والأعمال الصالحة, والأخلاق الفاضلة, وأول من يدخل في أمرهم أنفسهم.
" وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ " وهو: كل ما خالف المعروف وناقضه, من العقائد الباطلة, والأعمال الخبيثة, والأخلاق الرذيلة.
" وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ " أي لا يزالون ملازمين لطاعة اللّه ورسوله على الدوام.
" أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ " أي: يدخلهم في رحمته, ويشملهم بإحسانه.
" إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ " أي: قوي قاهر, ومع قوته, فهو حكيم, يضع كل شيء موضعه اللائق به, الذي يحمد على ما خلقه وأمر به.
ثم ذكر ما أعد اللّه لهم من الثواب فقال:
والمؤمنون والمؤمنات بالله ورسوله بعضهم أنصار بعض، يأمرون الناس بالإيمان والعمل الصالح، وينهونهم عن الكفر والمعاصي، ويؤدون الصلاة، ويعطون الزكاة، ويطيعون الله ورسوله، وينتهون عما نُهوا عنه، أولئك سيرحمهم الله فينقذهم من عذابه ويدخلهم جنته. إن الله عزيز في ملكه، حكيم في تشريعاته وأحكامه.
"وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَات بَعْضهمْ أَوْلِيَاء بَعْض يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَر وَيُقِيمُونَ الصَّلَاة وَيُؤْتُونَ الزَّكَاة وَيُطِيعُونَ اللَّه وَرَسُوله أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّه إنَّ اللَّه عَزِيز" لَا يُعْجِزهُ شَيْء عَنْ إنْجَاز وَعْده وَوَعِيده "حَكِيم" لَا يَضَع شَيْئًا إلَّا فِي مَحَلّه
لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى صِفَات الْمُنَافِقِينَ الذَّمِيمَة عَطَفَ بِذَكَرِ صِفَات الْمُؤْمِنِينَ الْمَحْمُودَة فَقَالَ " وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَات بَعْضهمْ أَوْلِيَاء بَعْض " أَيْ يَتَنَاصَرُونَ وَيَتَعَاضَدُونَ كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيح " الْمُؤْمِن لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدّ بَعْضه بَعْضًا " وَشَبَّكَ بَيْن أَصَابِعه وَفِي الصَّحِيح أَيْضًا " مَثَل الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادّهمْ وَتَرَاحُمهمْ كَمَثَلِ الْجَسَد الْوَاحِد إِذَا اِشْتَكَى مِنْهُ عُضْو تَدَاعَى لَهُ سَائِر الْجَسَد بِالْحُمَّى وَالسَّهَر " وَقَوْله " يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَر " كَقَوْلِهِ تَعَالَى " وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّة يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْر وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَر " الْآيَة . وَقَوْله " وَيُقِيمُونَ الصَّلَاة وَيُؤْتُونَ الزَّكَاة " أَيْ يُطِيعُونَ اللَّه وَيُحْسِنُونَ إِلَى خَلْقه " وَيُطِيعُونَ اللَّه وَرَسُوله " أَيْ فِيمَا أَمَرَ وَتَرْك مَا عَنْهُ زَجَرَ " أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّه " مَنْ اِتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِّفَات " إِنَّ اللَّه عَزِيز " أَيْ يُعِزّ مَنْ أَطَاعَهُ فَإِنَّ الْعِزَّة لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ " حَكِيم " فِي قِسْمَته هَذِهِ الصِّفَات لِهَؤُلَاءِ وَتَخْصِيصه الْمُنَافِقِينَ بِصِفَاتِهِمْ الْمُتَقَدِّمَة فَإِنَّ لَهُ الْحِكْمَة فِي جَمِيع مَا يَفْعَلهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى .
{ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ } يَقُول : يَأْمُرُونَ النَّاس بِالْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَرَسُوله , وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13169 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة , قَالَ : كُلّ مَا ذَكَرَهُ اللَّه فِي الْقُرْآن مِنْ الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر , فَالْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ : دُعَاء مِنْ الشِّرْك إِلَى الْإِسْلَام , وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر : النَّهْي عَنْ عِبَادَة الْأَوْثَان وَالشَّيَاطِين.

{ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاة } يَقُول : وَيُؤَدُّونَ الصَّلَاة الْمَفْرُوضَة . 13170 - قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { يُقِيمُونَ الصَّلَاة } قَالَ : الصَّلَوَات الْخَمْس .

{ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاة } يَقُول : وَيُعْطُونَ الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة أَهْلهَا .

{ وَيُطِيعُونَ اللَّه وَرَسُوله } فَيَأْتَمِرُونَ لِأَمْرِ اللَّه وَرَسُوله وَيَنْتَهُونَ عَمَّا نَهَيْنَاهُمْ عَنْهُ .

{ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّه } يَقُول : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ هَذِهِ صِفَتهمْ الَّذِينَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّه , فَيُنْقِذهُمْ مِنْ عَذَابه وَيُدْخِلهُمْ جَنَّته , لَا أَهْل النِّفَاق وَالتَّكْذِيب بِاَللَّهِ وَرَسُوله , النَّاهُونَ عَنْ الْمَعْرُوف , الْآمِرُونَ بِالْمُنْكَرِ , الْقَابِضُونَ أَيْدِيهمْ عَنْ أَدَاء حَقّ اللَّه مِنْ أَمْوَالهمْ .

{ إِنَّ اللَّه عَزِيز حَكِيم } يَقُول : إِنَّ اللَّه ذُو عِزَّة فِي اِنْتِقَامه مَنْ اِنْتَقَمَ مِنْ خَلْقه عَلَى مَعْصِيَته وَكُفْره بِهِ , لَا يَمْنَعهُ مِنْ الِانْتِقَام مِنْهُ مَانِع وَلَا يَنْصُرهُ مِنْهُ نَاصِر , حَكِيم فِي اِنْتِقَامه مِنْهُمْ فِي جَمِيع أَفْعَاله .
مشاركة الموضوع