تفسير القرطبي

سورة الغاشية الآية ٢٤

فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلْأَكْبَرَ ﴿٢٤﴾
وَهِيَ جَهَنَّم الدَّائِم عَذَابهَا . وَإِنَّمَا قَالَ : " الْأَكْبَر " ; لِأَنَّهُمْ عُذِّبُوا فِي الدُّنْيَا بِالْجُوعِ وَالْقَحْط وَالْأَسْر وَالْقَتْل . وَدَلِيل هَذَا التَّأْوِيل قِرَاءَة اِبْن مَسْعُود : " إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ فَإِنَّهُ يُعَذِّبُهُ اللَّه " . وَقِيلَ : هُوَ اِسْتِثْنَاء مُتَّصِل . وَالْمَعْنَى : لَسْت بِمُسَلَّطٍ إِلَّا عَلَى مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ , فَأَنْتَ مُسَلَّط عَلَيْهِ بِالْجِهَادِ , وَاَللَّه يُعَذِّبُهُ بَعْد ذَلِكَ الْعَذَاب الْأَكْبَر , فَلَا نَسْخ فِي الْآيَة عَلَى هَذَا التَّقْدِير . وَرُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا أُتِيَ بِرَجُلٍ اِرْتَدَّ , فَاسْتَتَابَهُ ثَلَاثَة أَيَّام , فَلَمْ يُعَاوِد الْإِسْلَام , فَضَرَبَ عُنُقه , وَقَرَأَ " إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ " . وَقَرَأَ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة " أَلَّا " عَلَى الِاسْتِفْتَاح وَالتَّنْبِيه , كَقَوْلِ اِمْرِئِ الْقَيْس : أَلَّا رُبَّ يَوْمٍ لَك مِنْهُنَّ صَالِحٍ و " مَنْ " عَلَى هَذَا : لِلشَّرْطِ . وَالْجَوَاب " فَيُعَذِّبُهُ اللَّه " وَالْمُبْتَدَأ بَعْد الْفَاء مُضْمَر , وَالتَّقْدِير : فَهُوَ يُعَذِّبُهُ اللَّه ; لِأَنَّهُ لَوْ أُرِيدَ الْجَوَاب بِالْفِعْلِ الَّذِي بَعْد الْفَاء لَكَانَ : إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ يُعَذِّبُهُ اللَّه .
فيعذبه الله العذاب الشديد في النار.
لكن الذي أعرض عن التذكير والموعظة وأصرَّ على كفره، فيعذبه الله العذاب الشديد في النار.
" فَيُعَذِّبهُ اللَّه الْعَذَاب الْأَكْبَر " عَذَاب الْآخِرَة وَالْأَصْغَر عَذَاب الدُّنْيَا بِالْقَتْلِ وَالْأَسْر
قَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا قُتَيْبَة حَدَّثَنَا لَيْث عَنْ سَعِيد بْن أَبِي هِلَال عَنْ عَلِيّ بْن خَالِد أَنَّ أَبَا أُمَامَة الْبَاهِلِيّ مَرَّ عَلَى خَالِد بْن يَزِيد بْن مُعَاوِيَة فَسَأَلَهُ عَنْ أَلْيَن كَلِمَة سَمِعَهَا مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول " أَلَا كُلّكُمْ يَدْخُل الْجَنَّة إِلَّا مَنْ شَرَدَ عَلَى اللَّه شِرَاد الْبَعِير عَلَى أَهْله " تَفَرَّدَ بِإِخْرَاجِهِ الْإِمَام أَحْمَد وَعَلِيّ بْن خَالِد هَذَا ذَكَرَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم عَنْ أَبِيهِ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى مَا هَهُنَا .
وَقَوْله : { فَيُعَذِّبهُ اللَّه الْعَذَاب الْأَكْبَر } : هُوَ عَذَاب جَهَنَّم , يَقُول : فَيُعَذِّبهُ اللَّه الْعَذَاب الْأَكْبَر عَلَى كُفْره فِي الدُّنْيَا , وَعَذَاب جَهَنَّم فِي الْآخِرَة .
مشاركة الموضوع