تفسير القرطبي

سورة البروج الآية ١٨

فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ ﴿١٨﴾
وَهُمَا فِي مَوْضِع جَرّ عَلَى الْبَدَل مِنْ " الْجُنُود " . الْمَعْنَى : إِنَّك قَدْ عَرَفْت مَا فَعَلَ اللَّه بِهِمْ حِين كَذَّبُوا أَنْبِيَاءَهُ وَرُسُله .
فرعون وثمود, وما حل بهم من العذاب والنكال, لم يعتبر القوم بذلك,
هل بلغك -أيها الرسول- خبر الجموع الكافرة المكذبة لأنبيائها، فرعون وثمود، وما حلَّ بهم من العذاب والنكال، لم يعتبر القوم بذلك، بل الذين كفروا في تكذيب متواصل كدأب مَن قبلهم، والله قد أحاط بهم علما وقدرة، لا يخفى عليه منهم ومن أعمالهم شيء. وليس القرآن كما زعم المكذبون المشركون بأنه شعر وسحر، فكذَّبوا به، بل هو قرآن عظيم كريم، في لوح محفوظ، لا يناله تبديل ولا تحريف.
" فِرْعَوْن وَثَمُود " بَدَل مِنْ الْجُنُود وَاسْتُغْنِيَ بِذِكْرِ فِرْعَوْن عَنْ أَتْبَاعه , وَحَدِيثهمْ أَنَّهُمْ أُهْلِكُوا بِكُفْرِهِمْ وَهَذَا تَنْبِيه لِمَنْ كَفَرَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْقُرْآن لِيَتَّعِظُوا
أَيْ هَلْ بَلَغَك مَا أَحَلَّ اللَّه بِهِمْ مِنْ الْبَأْس وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ النِّقْمَة الَّتِي لَمْ يَرُدّهَا عَنْهُمْ أَحَد ؟ وَهَذَا تَقْرِير لِقَوْلِهِ تَعَالَى " إِنَّ بَطْش رَبّك لَشَدِيد " أَيْ إِذَا أَخَذَ الظَّالِم أَخَذَهُ أَخْذًا أَلِيمًا شَدِيدًا أَخْذ عَزِيز مُقْتَدِر قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن مُحَمَّد الطَّنَافِسِيّ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْن عَيَّاش عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ عَمْرو بْن مَيْمُون قَالَ مَرَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى اِمْرَأَة تَقْرَأ" هَلْ أَتَاك حَدِيث الْجُنُود " فَقَامَ يَسْتَمِع فَقَالَ " نَعَمْ قَدْ جَاءَنِي " .
ثُمَّ بَيَّنَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ الْجُنُود مَنْ هُمْ ؟ فَقَالَ : { فِرْعَوْن وَثَمُود } يَقُول : فِرْعَوْن , فَاجْتُزِئَ بِذِكْرِهِ , إِذْ كَانَ رَئِيس جُنْده , مِنْ ذَكَر جُنْده وَتُبَّاعه . وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَام : هَلْ أَتَاك حَدِيث الْجُنُود فِرْعَوْن وَقَوْمه وَثَمُود ; وَخُفِضَ فِرْعَوْن رَدًّا عَلَى الْجُنُود , عَلَى التَّرْجَمَة عَنْهُمْ , وَإِنَّمَا فُتِحَ لِأَنَّهُ لَا يَجْرِي وَثَمُود .
مشاركة الموضوع