تفسير القرطبي

سورة البروج الآية ١٧

هَلْ أَتَىٰكَ حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ ﴿١٧﴾
أَيْ قَدْ أَتَاك يَا مُحَمَّد خَبَر الْجُمُوع الْكَافِرَة الْمُكَذِّبَة لِأَنْبِيَائِهِمْ ; يُؤْنِسهُ بِذَلِكَ وَيُسَلِّيه . ثُمَّ بَيَّنَهُمْ فَقَالَ .
هل بلغك- يا محمد- خبر الجموع الكافرة المكذبة لأنبيائها,
هل بلغك -أيها الرسول- خبر الجموع الكافرة المكذبة لأنبيائها، فرعون وثمود، وما حلَّ بهم من العذاب والنكال، لم يعتبر القوم بذلك، بل الذين كفروا في تكذيب متواصل كدأب مَن قبلهم، والله قد أحاط بهم علما وقدرة، لا يخفى عليه منهم ومن أعمالهم شيء. وليس القرآن كما زعم المكذبون المشركون بأنه شعر وسحر، فكذَّبوا به، بل هو قرآن عظيم كريم، في لوح محفوظ، لا يناله تبديل ولا تحريف.
" هَلْ أَتَاك " يَا مُحَمَّد " حَدِيث الْجُنُود "
أَيْ هَلْ بَلَغَك مَا أَحَلَّ اللَّه بِهِمْ مِنْ الْبَأْس وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ النِّقْمَة الَّتِي لَمْ يَرُدّهَا عَنْهُمْ أَحَد ؟ وَهَذَا تَقْرِير لِقَوْلِهِ تَعَالَى" إِنَّ بَطْش رَبّك لَشَدِيد " أَيْ إِذَا أَخَذَ الظَّالِم أَخَذَهُ أَخْذًا أَلِيمًا شَدِيدًا أَخْذ عَزِيز مُقْتَدِر قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن مُحَمَّد الطَّنَافِسِيّ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْن عَيَّاش عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ عَمْرو بْن مَيْمُون قَالَ مَرَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى اِمْرَأَة تَقْرَأ " هَلْ أَتَاك حَدِيث الْجُنُود " فَقَامَ يَسْتَمِع فَقَالَ " نَعَمْ قَدْ جَاءَنِي " .
وَقَوْله : { هَلْ أَتَاك حَدِيث الْجُنُود } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ جَاءَك يَا مُحَمَّد حَدِيث الْجُنُود , الَّذِينَ تَجَنَّدُوا عَلَى اللَّه وَرَسُوله بِأَذَاهُمْ وَمَكْرُوههمْ ; يَقُول : قَدْ أَتَاك ذَلِكَ وَعَلِمْته , فَاصْبِرْ لِأَذَى قَوْمك إِيَّاكَ , لِمَا نَالُوك بِهِ مِنْ مَكْرُوه , كَمَا صَبَرَ الَّذِينَ تَجَنَّدَ هَؤُلَاءِ الْجُنُود عَلَيْهِمْ مِنْ رُسُلِي , وَلَا يُثْنِيك عَنْ تَبْلِيغهمْ رِسَالَتِي , كَمَا لَمْ يُثْنَ الَّذِينَ أُرْسِلُوا إِلَى هَؤُلَاءِ , فَإِنَّ عَاقِبَة مَنْ لَمْ يُصَدِّقك وَيُؤْمِن بِك مِنْهُمْ إِلَى عَطَب وَهَلَاك , كَاَلَّذِي كَانَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْجُنُود ,
مشاركة الموضوع